813

تفسير الجيلاني

تفسير الجيلاني

امپراتوری‌ها و عصرها
سلجوقیان

{ و } اذكر { إذ أسر النبي إلى بعض أزواجه } يعني: حفصة { حديثا } وهو حديث مارية، وحديث خلافة أبي بكر وعمر - رضي الله عنهما - بعده صلى الله عليه وسلم { فلما نبأت } وأخبرت حفصة { به } عائشة { وأظهره الله } وأطلع سبحانه نبيه صلى الله عليه وسلم { عليه } أي: على إفشاء حفصة الحديث المعهود الذي أوصاها بالإسرار، فغضب صلى الله عليه وسلم على حفصة؛ لذلك { عرف بعضه } أي: بعض الحديث، وهو حديث تحريم مارية، وطلقها طلاقا رجعيا انتقاما عنها { وأعرض عن بعض } وهو قصة الخلافة ولم يعرفها؛ لئلا يقع الفتنة بين المسلمين، ومع ذلك قد وقعت، وبعدما أطلع الله نبيه على إفشاء حفصة الحديث معاتبا عليها { فلما نبأها به قالت } حفصة ظنا منها أنها صدرت هذا من عائشة: { من أنبأك } وأعلمك { هذا قال } صلى الله عليه وسلم في جوابها: { نبأني العليم } بالسرائر والخفايا { الخبير } [التحريم: 3] بما يجري في الضمائر والنيات.

ثم قال سبحانه في قبل نبيه صلى الله عليه وسلم على وجه الخطاب المبنئ عن العتاب: { إن تتوبآ إلى الله } أنت وعائشة عما صدر عنكما توبة صادرة عن محض الندم والإخلاص، منبئة عن كمال الموافقة والاختصاص مع الرسول صلى الله عليه وسلم فقد جبرتما ما كسرتما، وإلا { فقد صغت } زاغت ومالت { قلوبكما } عن موافقة الرسول ومخالصته، فجئتما بما يكرهه صلى الله عليه وسلم وبكراهتكما ما يحبه صلى الله عليه وسلم { وإن تظاهرا } وتعاونا { عليه } أي: على ما أنتما عليه من مخالفة الرسول فلن تضرا له صلى الله عليه وسلم شيئا من الضرر، وكيف يلحقه صلى الله عليه وسلم ضرر منكما { فإن الله } المراقب لعموم أحواله { هو } سبحانه { مولاه } ناصره ومعينه، ومولي عموم أموره { وجبريل } رئيس الكروبيين قرينه وملازمه { وصالح المؤمنين } أتباعه وأعوانه { والملائكة } أي: عموم الملائكة { بعد ذلك } أي: بعد نصر أولئك المظاهرين { ظهير } [التحريم: 4] له سبحانه على سبيل التعريض لعموم أزواجه صلى الله عليه وسلم؟!

{ عسى ربه } الذي رباه على الكرامة الأصلية، والنجابة الجبلية { إن طلقكن } جميعا { أن يبدله } بمقتضى قدرته وإرادته { أزواجا خيرا منكن } صورة وسيرة، أخلاقا وأعمالا { مسلمات } في الاعتقاد، مسلمات عن العيوب { مؤمنات } بوحدة الحق، مصدقات لعموم ما نزل من عنده { قانتات } راسخات على الطاعات، مواظبات على عموم الخيرات، خاضعات خاشعات لله في عموم الأوقات { تائبات } عن عموم المنكرات والمحظورات { عابدات } على وجه التذلل والخضوع، وكمال الانكسار والخشوع { سائحات } صائمات أو مهاجرات { ثيبات وأبكارا } [التحريم: 5] يعني: سواء كن ثيبات أو أبكارا.

[66.6-9]

ثم أوصى سبحانه لعموم المؤمنين ما يصلح لهم، ويليق بحالهم فقال: { يأيها الذين آمنوا } عليكم حفظ النفس عن مطلق المهالك الدينية { قوا أنفسكم } عن ارتكاب المعاصي، والالتفات نحو المنكرات، والتوجه نحو المحظورات { وأهليكم } إي: من في حفظكم وحضانتكم من أزواجكم وأولادكم عن الوقوع في المهالك والفتن، وأنواع الآثام الموجبة للخذلان والحرمان، وبالجملة: اتقوا { نارا } وأي نار، نارا { وقودها الناس والحجارة } أي: ما يتقد به النار أجسام الأنام والحجارة؛ وذلك من شدة حرارتها وإحراقها، بخلاف سائر النيران فإن وقودها الحطب.

ومع ذلك يوكل { عليها ملائكة } يوقدونها، وهم الزبانية، صفتهم: إنهم { غلاظ } في أقوالهم وهياكلهم، لا يتأتى منهم الملاينة والملاطفة أصلا { شداد } في البطش وعموم التعذيب { لا يعصون الله } ولا يتجاوزون عن أمره سبحانه في عموم أوامره، بل يمضونها على الوجه المأمور بلا فوت شيء منها بعذر وشفاعة، أو شفقة أو مروءة، بل يفعلون { مآ أمرهم ويفعلون ما يؤمرون } [التحريم: 6] على وجهه خوفا من غيرته سبحانه وغضبه.

وبعدما نادى سبحانه عموم المؤمنين بما نادى، نادى أيضا عموم الكافرين على مقتضى المقابلة، فقال: { يأيها الذين كفروا } بالله، وكذبوا رسله المبعوثين إليكم؛ ليرشدوكم إلى سبيل الهداية والسلامة، فأنكرتم بهم وبجميع ما جاءوا به بلا تأمل وتوقف، عليكم أن { لا تعتذروا اليوم } بأن أعمالكم دون عذابكم وأنقص منه، بل { إنما تجزون } من العذاب على مقتضى { ما كنتم تعملون } [التحريم: 7] من الكفر والإنكار .

ثم قال سبحانه: { يأيها الذين آمنوا } بوحدة الحق من شأن إيمانكم تطهير قلوبكم عن مطلق المعاصي والآثام المنافية لصرافة وحدة الذات، ولا يتيسر لكم هذا إلا بالتوبة والرجوع على وجه الندم والإخلاص { توبوا } أيها المخلصون المبتلون بقتنة الذنوب { إلى الله } الملك القدوس، المنزه ساحة عز حضوره عن سمة الحدوث والإمكان مطلقا { توبة نصوحا } خالصة لوجه الله، قالعة لعرض الالتفات إلى غير الله، نادمة على الذنوب الصادرة عنكم فيما مضى، مجتنبة عن التي سيأتي، مصفية للنفس عن مطلق الكدورات المتعلقة بالغير، محلية لها بالتقوى عن مطلق الرذائل العائقة عن التوجه الخالص نحو المولى.

{ عسى ربكم } بعدما تبتم ورجعتم نحوه بكمال التبتل والإخلاص { أن يكفر عنكم سيئاتكم } ويعفو عنكم، ولم ينتقم منكم { ويدخلكم } تفضلا عليكم، وإحسانا { جنات } منتزهات العلم والدين والحق { تجري من تحتها الأنهار } أنهار المعارف والحقائق المتجددة، الجارية من أزل اللذات إلى أبد الأسماء والصفات.

وكيف لا يكفر، ولا يدخل سبحانه خلص عباده في جنة وحدته { يوم لا يخزى } ولا يرى { الله } المنعم المفضل على خلص عباده، سيما { النبي } المؤيد من عنده بأنواع الكرامة والتعظيم { والذين آمنوا معه } واهتدوا بهدايته، مع أن شأنهم هكذا { نورهم } الذي اقتبسوه من مشكاة النبوة المصطفوية { يسعى بين أيديهم وبأيمانهم } أي: محيطا بهم، محفوفا عليهم وقت عبورهم من الصراط؟!

صفحه نامشخص