تفسير الجيلاني
تفسير الجيلاني
وبالجملة : { إن ربك } الذي رباك بكمال كرامته، واصطفاط لرسالته ونيابته { عن سبيله } بعلمه الحضوري { هو أعلم } وانحرف { بمن ضل } من عباده، ومال عن جادة توحيده { وهو أعلم } أيضا { بمن اهتدى } [النجم: 30] منهم بهدايتك وإرشادك.
{ و } كيف لا يعلم سبحانه المضلين والمهتدين من عباده؛ إذ { لله } ملكا وتصرفا، وإحاطة وشمولا مظاهر { ما في السموت وما في الأرض } وما بينهما من الكوائن والفواسد { ليجزي الذين أساءوا } بأعمالهم وأقوالهم { بما عملوا } أي: بمقتضى عملهم على مقتضى عدله سبحانه، بلا زيادة ولا نقصان { ويجزي الذين أحسنوا } أيضا كذلك { بالحسنى } [النجم: 31] أي: أزيد مما استحقوا بصوالح أعمالهم وحسنات أخلاقهم، تفضلا عليهم وامتنانا.
والمحسنون هم: { الذين يجتنبون كبائر الإثم } أي: يحترزون عن الآثام الكبيرة، المستجلبة لغضب الله، المستتبعة لعذابه ونكاله في النشأة الأخرى، المستلزمة للحدود والكفارات بحسب الشرع الشريف { والفواحش } أي: يحفظون نفوسهم أيضا عن الفواحش المسقطة للمروءات الجالبة لأنواع النكبات، والوعيدات الهائلة الإلهية المقتضية للخلود في دركات النيران { إلا اللمم } الطارئ عليهم من صغائر الذنوب هفوة، فجبروه بالتوبة دفعة، فإنه معفو عن مجتنبي الكبائر والفواحش، قبل التوبة أيضا.
وكيف لا يغفر سبحانه لأصحاب اللمم { إن ربك } يا أكمل الرسل { واسع المغفرة } سريع العفو، شامل الرحمة { هو } سبحانه { أعلم بكم } منكم، وبعموم أحوالكم وأطواركم أيها المجبولون على فطرة التكليف، وكيف لا يعلم سبحانه أحوالكم! { إذ أنشأكم } وأظهركم { من الأرض } بمقتضى سعة علمه وجوده { وإذ أنتم أجنة } لا شعور لكم محبوسون { في بطون أمهاتكم } يعلم سبحانه منكم جميع أحوالكم، وأطواركم وعمو حوائجكم الماضية والآتية، وبالجملة: { فلا تزكوا } ولا تنزهوا وتطهروا { أنفسكم } إذ لا علم لكم بتفاصيل أحوالكم وأعمالكم مطلقا، بل { هو } سبحانه { أعلم بمن اتقى } [النجم: 32] وحفظ نفسه عن مساخطه سبحانه، واحترز عن منهياته.
ثم قال سبحانه عبرة على المستبصرين وتوبيخا على المستكبرين: { أفرأيت } أيها المعتبر الرائي الطاغي { الذي تولى } [النجم: 33] وأعرض عن اتباع الحق، وأصر على الباطل عنادا ومكابرة، بعدما وعد الحق التصدق من ماله كفارة لذنوبه، { وأعطى قليلا } مع سمعة ورياء { وأكدى } [النجم: 34] وقطع عطاء الباقي بعد ذلك، فما وفى ووفر جميع ما وعد، ثم ارتد - العياذ بالله - وندم عما تصدق قبل، فأصر على ما كان من الكفر والجحود، ومع ذلك يزعم أنه قد برئ من الذنوب بتصديقه.
نزلت في الوليد بن المغيرة كان يتبع رسول الله صلى الله عليه وسلم فعيره بعض المشركين، وقال: تركت دين الأشياخ، وضللتهم، فقال: أخشى عذاب الله، فضمن أن يتحمل عنه العذاب، إن أغطى بعض ماله من المشروط، ولم يتم ومع ذلك يزعم البراءة عن الذنوب لذلك، ثم بخل بالباقي، وبعدما أعطى بعض المشروط، ارتد - العياذ بالله - عن الدين ومتابعة الرسول الأمين.
عيره سبحانه بقوله: { أعنده علم الغيب فهو يرى } [النجم: 35] بأن التصدق وتحمل الغير وتضمنه يدفع عنه العذاب.
{ أم لم ينبأ } ولم يخبر { بما في صحف موسى } [النجم: 36] وهي ألواح التوراة المنصوصة فيه بخلاف ذلك.
{ و } لم ينبأ أيضا بما في صحف { إبراهيم } الذي يدعي متابعته والتدين بدينه، مع أن إبراهيم { الذي وفى } [النجم: 37] ووفر وأتم بجميع ما التزمه وأمر به، وبالغ في وفاء ما عاهد والتزم طلبا لمرضاة ربه، وهو يدعي متابعته، ولم يوف بما التزم من العهود.
وكيف يحمل الغير عنه وزره أو يسقطه الصدقة، مع أن مضمون ما في عموم كلتا الصحفين هو هذا { ألا تزر } أي: أنه لا تحمل { وازرة } أي: نفس آثمة { وزر أخرى } [النجم: 38] أي: ذنبها، ولا يؤخذ هي عليها، بل كل نفس من النفوس الخيرة والشريرة، رهينة بما كسبت، إن خيرا فخير، وإن شرا فشر.
صفحه نامشخص