737

تفسير الجيلاني

تفسير الجيلاني

امپراتوری‌ها و عصرها
سلجوقیان

ثم قال سبحانه تهديدا على من أعرض عن دينه ونبيه: { وكم أهلكنا قبلهم } أي: قبل قومك يا أكمل الرسل { من قرن } أي: أهله، مع أنه { هم أشد منهم بطشا } قوة وقدرة، وأكثر أموالا وأولادا، كعاد وثمود وفرعون وغيرهم { فنقبوا } أي: انصرفوا وانقبلوا وساروا { في البلاد } متمنين { هل } يجدون { من محيص } [ق: 36] مهرب ومخلص من بطش الله وحلول عذابه عليهم، فلم يجدوا بعدما استحقوا التعذيب والإهلاك، وبالآخرة هلكوا واستؤصلوا حتما، فكذا هؤلاء المسرفون المعاندون سيهلكون كما هلكوا، وبالجملة: { إن في ذلك } القرآن العظيم، الذي نزل عليك يا أكمل الرسل { لذكرى } عظة وتذكيرا وعبرة وتنبيها { لمن كان له قلب } يتفطن من تقلبات الأحوال وتطوراتها إلى شئون الحق وتجلياته الجمالية والجلالية حسب اقتضاء الذات بالإدارة والاختيار، وكمالات الأسماء والصفات { أو ألقى السمع } أي: يكون من أرباب الإرادة الصادقة الخالصة عن شوب السمعة ورعونات الرياء، ألقى سمعه إلى استماع كلمة الحق من أهله { وهو } حينئذ { شهيد } [ق: 37] حاضر القلب، فارغ الهم، حديد الفطنة، صحيح الإرادة، خالص العزيمة.

ثم لما قال اليهود: إن الله خلق العالم في ستة أيام من الأسبوع، وبعدما عي من الخلق والإيجاد استلقى على العرش في يوم الست للاستراحة، رد الله عليهم فقال: { ولقد خلقنا } وأظهرنا { السموت والأرض وما بينهما } من الكائنات الممتزجة منهما { في ستة أيام و } مع ذلك { ما مسنا } ولحقنا { من لغوب } [ق: 38] وصب وتعب وإعياء وفتور؛ إذ ذاتنا منزهة عن طريان أمثال هذه النقائض الإمكانية.

{ فاصبر } يا أكمل الرسل { على ما يقولون } وينسبون إلى الله الصمد القدوس من أمثال هذه المفتريات الباطلة، الناشئة من جهلهم المفرط بالله وبمقتضى ألوهيته وربوبيته { وسبح بحمد ربك } بمقتضى توحيدك وتمجيدك إياه، ونزه ذاته عما يقول الظالمون الجاحدون، الجاهلون بقدره وعلو شأنه، وتوجه نحوه سبحانه في عموم أوقاتك وحالاتك سيما { قبل طلوع الشمس وقبل الغروب } [ق: 39] يعني: كلا طرفي النهار؛ إذ هما أوان الفراغ من مطلق الأشغال.

{ ومن الليل فسبحه } في خلال تهجداتك { و } بالجملة: سبحه { أدبار السجود } [ق: 40] أي: عقب كل صلاة ذات ركوع وسجود.

ثم قال سبحانه آمرا لحبيبه صلى الله عليه وسلم { واستمع } يا أكمل الرسل النداء والهائل { يوم يناد المناد } من قب الحق؛ لقيام الساعة والبعث { من مكان قريب } [ق: 41] بكل أحد، بحيث يسمعه بلاك كلفة وشبهة، فيقول: أيتها العظام البالية واللحوم المتمزقة والشعور المتفرقة، إن الله يأمركن أن تجتمعن للحساب والجزاء.

{ يوم يسمعون الصيحة } النفخة الثانية ملبسة { بالحق } تحققوا حنيئذ أن { ذلك يوم الخروج } [ق: 42] من القبور والبعث والنشور،

وبالجملة: { إنا } من كمال قدرتنا وحكمتنا { نحن نحيي ونميت } في النشأة الأولى بالإدارة { وإلينا المصير } [ق: 43] أي: مصير الكل ومرجعهم إلينا في النشأة الأخرى.

اذكر يا أكمل الرسل لمن أنكر الحشر والميعاد { يوم تشقق } أي: تنشق وتتخرق { الأرض عنهم } ويخرجون منها { سراعا } مسرعين { ذلك } أي: إخراجهم وخروجهم كذلك { حشر } وبعث وجمع { علينا يسير } [ق: 44] سهل.

لا تستبعدوا ولا تستعسروا عن قدرتنا الكاملة أمثال هذا: إذ { نحن أعلم } وأحفظ { بما يقولون } أي: المنكرون، المشركون في سرائرهم ونجواهم { ومآ أنت عليهم } يا أكمل الرسل { بجبار } تردعهم وتزجرهم عما هم عليه من الإنكار والإصرار، بل ما أنت إلا مذكر.

{ فذكر بالقرآن } أي: بوعيداته وإنذاراته { من يخاف وعيد } [ق: 45] إذ لا ينفع تذكيرك إلا للخائف منهم، ومن لم يخف ليس لك عليهم سلطان ليزعجهم إلى الإيمان، ويلجئهم إلى قبول الإسلام؛ إذ ما عليك إلا البلاغ والتذكير، والتوفيق من الله العليم الخبير.

صفحه نامشخص