تفسير الجيلاني
تفسير الجيلاني
{ و } قال القائل المذكور أيضا على سبيل الملاينة والمجاراة في صورة المناصحة والمقابلة، إيقاضا لهم عن سنة الغفلة، وتتميما للغرض المسوق له الكلام: { يقوم ما لي } أي: أي شيء عرض علي ولحق لي { أدعوكم } أنا من كمال عطفي ومرحمتي إياكم { إلى النجاة } من عذاب الله وحلول غضبه، وإلى دخول الجنة المشتملة على أنواع اللذات الجسمانية والروحانية المعدة لأهل التوحيد والإيمان { و } أنتم { تدعونني إلى النار } [غافر: 41] المعدة لأصحاب الخيبة والخذلان.
إذ { تدعونني لأكفر بالله } الواحد الأحد الصمد، المتفرد بالألوهية والربوبية، وأنكر وجوده { وأشرك به ما ليس لي به علم } أي: أشرك به شيئا لم يتعلق علمي بألوهيته وشركته مع الله لا يقينا ولا ظنا ووهما؛ إذ هو جماد ماله شعور { وأنا أدعوكم } بمقتضى الوحي الإلهي المنزل على رسول الله المؤيد بالعقل الفطري المفاض لخواص عباده من لدنه سبحانه { إلى العزيز } القادر الغالب في أمره بلا فتور وقصور { الغفار } [غافر: 42] الستار لنفوس السوى والأغيار مطلقا.
[40.43-46]
{ لا جرم } أي: حق وثبت { أنما تدعونني إليه } وتمدونني نحوه { ليس له دعوة } أي: لا يتأتى منه الدعوة والهداية والإرشاد، ولا { في الدنيا ولا في الآخرة } إذ لا يتيسر للجمادات دعوة الإنسان وتكميله مطلقا، { و } بعدما انقضى أمر آلهتكم وعدم لياقتهم بالألوهية والربوبية، ظهر { أن مردنآ } ومرجعنا؛ يعني: أنا وأنتم وسائر العباد والمظاهر عموما { إلى الله } الواحد الأحد الصمد الحقيق بالحقية، بلا توهم الشركة والنزاع رجوع الأظلال إلى الأضواء، والأمواج إلى الماء { و } ظهر أيضا { المسرفين } الخائضين في توحيده سبحانه بالهذيانات التي تركبها أوهامهم وخيالاتهم، بلا تأييد من وحي إلهي وعقلي فطري { هم أصحاب النار } [غافر: 43] ملازموها وملاصقوها أبد الآباد.
{ فستذكرون } أيها الممكرون الممقوتون حين تعاينون وتدخلون النار { مآ أقول لكم } على وجه النصح من شأن العذاب الموعود لكم في النشأة الأخرى، وبعدما سمعوا من الوعيدات الهائلة، أضمروا في نفوسهم عداوته والإنكار عليه، وقصدوا مقته { و } لما تفرس منهم السوء، قال مسترجعا إلى الله متوكلا نحوه: { أفوض أمري } أي: حفظي وحصانتي عن شروركم { إلى الله } المراقب على محافظة عباده المتوكلين عليه، المتوجهين نحو جنابه، يكفي بلطفه مؤنة شروركم عني وإساءتكم علي { إن الله } القادر العليم { بصير بالعباد } [غافر: 44] الخلص، ما في ضمائرهم من الإخلاص والاختصاص.
قيل: فر منهم إلى جبل، فأرسل فرعون جماعته لطلبه، فلحقوه وهو في الصلاة والوحوش حوله صافين حافين، يحرسون عما يضره، فلم يظفروا عليه، فرجعوا خائبين فقتلهم.
وبالجملة: { فوقاه الله سيئات ما مكروا } أي: حفظه الله الرقيب عليه من شدائد مكرهم وإساءتهم عليه { وحاق } وأحاط { بآل فرعون سوء العذاب } [غافر: 45] النازل إليهم من عند الله العزيز الغيور.
وهي: { النار } لتعذيب أصحاب الشقاوة الأزلية الأبدية، ولهذا { يعرضون عليها } أي: فرعون وآله على النار حال كونهم في برزخ القبر { غدوا وعشيا } دائما في جميع الأزمان قبل انقراض النشأة الأولى { ويوم تقوم الساعة } يحشرون من قبورهم صرعى مبهوتين، قيل لهم من قبل الحق بلا كشف وتفتش عن حالهم: { أدخلوا } يا { آل فرعون أشد العذاب } [غافر: 46] أي: أفزعه وأخلده، أو قيل للملائكة الموكلين عليهم لتعذيبهم: أدخلوا آل فرعون أشد العذاب وأسوأ النكال والوبال، وهو تخليدهم في نار القطيعة على القرائتين.
[40.47-52]
ثم قال سبحانه: { و } اذكر يا أكمل الرسل للمعتبرين من المكلفين وقت { إذ يتحآجون } ويتخاصمون؛ أي: أصحاب النار { في النار فيقول الضعفاء } منهم؛ أي: الأتباع والأراذل { للذين استكبروا } أي: لدى رؤسائهم ومتبوعيهم المستكبرين عليهم، المستتبعين لهم في النشأة الأولى: { إنا كنا لكم تبعا } في دار الدنيا، بل أنتم أضللتمونا عن متابعة الرسل والهادين { فهل أنتم } اليوم { مغنون } دافعون مانعون { عنا نصيبا } جزءا أو شيئا، قد صار حظنا { من النار } [غافر: 47] النازلة علينا بسبب اتباعنا إياكم، واقتفائنا أثركم، وتديننا بدينكم وخصلتكم.
صفحه نامشخص