تفسير الجيلاني
تفسير الجيلاني
وذلك أنه جلس على كرسيه يوما بعدما فرغ من ورده في الظهيرة؛ لإعداد أسباب الغزو والقتال الذي قصد أن يخرج إليه يومئذ، فأمر بعرض الخيول عليه، فأشغله الالتفات والتجه نحو الخيول عن ورد عصره، فتذكر والشمس قد غربت، فاغتم غما شديدا، وتحزن تحزنا بليغا إلى حيث لم يطرأ عليه مثله.
{ فقال } من شدة أسفه وضجرته متأوها لائما على نفسه: { إني أحببت } الخيل { حب الخير } أي: كحب الخير والتوجه المقرب إلى الله، لذلك ألهاني { عن ذكر ربي حتى توارت } الشمس { بالحجاب } [ص: 32] وفات عني وردي الذي كا نقبل الغروب.
وبعدما وقع ما وقع من الغفلة، تسارع إلى التدارك والتلافي، فأخذ يقطع عرق الباعث إلى الإلهاء والإغفال، فقال للشرطة: { ردوها } أي: الصافنات { علي } وكروها إلي، فأعدوها معرضين ثانيا { فطفق } سليمان، وأخذ السيف الصارم بيده، يمسح ويمضي { مسحا } وإمضاء ملاصقا { بالسوق } وهي جمع: ساق { والأعناق } [ص: 33] يعني: أخذ بقطع قوائمها ورءوسها، ليزول حبها عن قلبه، ويتصدق بها طلبا لمرضاة ربه، وجبرا لما انكسر من ورده.
وعن المرتضى المجتبى - كرم الله وجهه -: أن الضمير في { ردوها } راجع إلى الشمس؛ يعني: أمر سليمان الموكلين على الشمس بإذن الله ووحيه أياه، أن يردوا الشمس بعدما غربت؛ ليأتي سليمان بورده، فأتى بما أتى، وذلك من كمال كرم الله معه.
{ و } مع كونه مقبولا عندنا ممدوحا لدينا { لقد فتنا } وابتلينا { سليمان } بفتنة عظيمة، وأخذنا منه ملكه بجريمة صدرت من أهل بيته بأدنى ملابسة له ورضا من جانبه.
وذلك أنه عليه السلام غزا " صيدون " من الجزائر، فقتل ملكها فأصاب ابنته اسمها جرادة، وهي من أجمل النساء وأحسنها شكلا، فأعجب سليمان بحسنها وخصها لنفسه، وهي أحب عليه من سائر نسائه، وكانت من شدة حزنها وكآبتها على أبيها لا يرقى دمعها، ولا يزال همها، فأمر عليه السلام الشياطين فمثل لها صورة أبيها، فكانت تغدو إليها و تروح مع ولائدها يسجدون لها، على ما هي عادتها في حياته وملكه.
ومضى عليها أربعون يوما، فاستشعر بها آصف بن برخيا فأخبره، فكسر الصورة وضرب المرأة والولائد، فخرج عليه السلام إلى الصحراء باكيا متألما مستحييا من ربه، وكان من عادته عليه السلام إذا دخل الخلاء أعطى خاتمه الذي فيه ملكه إلى أمة له اسمها أمينة، فأعطاها يوما فتمثل بصورة سليمان شيطان امسه صخر، فجاء فطلب الخاتم من أمينة فأخذه فتختم به، وجلس على كرسيه، واجتمع الخلق عليه، وقضى ما قضى ونفذ حكمه في كل شيء إلا في نسائه، وغير سليمان عن هيئته وسلطنته، فأتى أمينة بطلب الخاتم فطردته وأنكرت عليه، فعرف أن الفتنة قد أدركته.
فأخذ يدور حول البيوت يتكفف حتى مضى أربعون يوما عاد ما عبد في بيته الصورة، وبعد انقضاء المدة المذكورة، طار الشيطان من كرسيه وقذف الخاتم في البحر، فابتلعته سمكة فوقعت في يد سليمان من قضاء الله ومزيد كرمه وعطائه عليه، فبقر بطنها فوجد الخاتم فتختم به، فعاد ملكه عليه، وخر ساجدا وأناب إلى الله متضرعا كما أخبر سبحانه.
وبعدما فتناه بفتنة عظيمة وهي عبادة غيرنا في بيته برضاء منه، وأخذناه عليها وأخرجناه من ملكه بفقد الخاتم عنه { وألقينا على كرسيه } وأجلسنا بدله عليها { جسدا } تمثالا وصورة لا حقيقة لها، { ثم } بعدما ابتليناه بما ابتليناه قد { أناب } [ص: 34] إلينا مخلصا متضرعا، فقبلنا توبته عناية منا إياه؛ حيث { قال } في مناجاته معنا، وعرض حاجاته إلينا: { رب } يا من رباني بمقتضى لطفك وجودك، وأعطيتني من مواهبك ما لم تعط أحدا من خلقك { اغفر لي } ذنبي، واعف زلتي بسعة رحمتك وجودك { و } بعدما غفرتني ومحوت عني معصيتي { هب لي ملكا } كما وهبتني قبل هذا، وخصصتني به بمقتضى جودك وإحسانك علي؛ إذ { لا ينبغي } ويليق بشأنك وبمزيد لطفك وإحسانك أن تعطيه { لأحد من بعدي } إذ لا راد لفظلك، ولا مانع لعطائك { إنك أنت } المحسن { الوهاب } [ص: 35] المقصور المنحصر على إعطاء المواهب والكرامات، بلا عوض ولا غرض؛ إذ لا معطي سواك ولا مفضل غيرك.
وبعدما توجه إلينا وتضرع نحونا على وجه الإنابة والخضوع والتذلل والخشوع، آتينا ملكه، وأجرينا حكمه كما كان { فسخرنا له الريح } بعدما انتقمنا عنه، وجعلناها مقهورة له، محكومة بحكمة؛ حيث { تجري بأمره } منقادة بحكمه { رخآء } لينة هينة، بلا تضعضع وتزعزع يتعب منه الراكب { حيث أصاب } [ص: 36] أي: يجري بأمره أي صوب أراد، وجانب قصد.
صفحه نامشخص