636

تفسير الجيلاني

تفسير الجيلاني

امپراتوری‌ها و عصرها
سلجوقیان

ثم أخذوا في تقرير المسألة، فقال أحدهما: { إن هذآ أخي } في الدين ورفيقي في سلوك طريق التوحيد واليقين { له تسع وتسعون نعجة } وهي الأنثى من الضأن، كنى بها العرب عن المرأة { ولي نعجة واحدة } فقط، { فقال } لي عدوانا وظلما: { أكفلنيها } أي: اجعلني كافلا لها، مالكا إياها، حتى صارت نعاجي مائة، ولم تبق لك نعجة { و } لم يقتصر على مجرد القول، بل { عزني } وغلب علي { في } مضمون { الخطاب } [ص: 23] المذكور بحجج لا أقدر على دفع، ولا أسمع المقاومة معه.

وبعدما سمع كلام المدعي وتأمل في تقريره، قال للمدعى عليه: هل تصدقه فيما ادعاه عليك؟ قال: بلى.

ثم التفت عليه السلام نحو المدعي، متعجبا مستبعدا عما جرى عليه من الظلم والعدوان حيث { قال }: تالله { لقد ظلمك } هذا الظالم ظلما صريحا { بسؤال نعجتك } ليأخذها منك ويضيفها { إلى نعاجه } ليكثرها بها ويخلطها عليه حرصا منه إلى تكميل مشتهاة نفسه الأمارة { و } لا تستبدع هذا الأمر، ولا تستبعد منه هذا، بل { إن كثيرا من الخلطآء } الذين خلطوا أموالهم وتشاركوا فيها { ليبغي } أي: يظلم ويتعدى { بعضهم على بعض } ظلما وزورا { إلا الذين آمنوا } من الخلطاء بالله، واستقاموا على صراطه الموضوع من عنده على العدالة الاستقامة { وعملوا الصالحات } المرضية عنده سبحانه، سيما في الأمور المتعلقة لحقوق عباده، ولكن { وقليل ما هم } أي: هم قليل في الدنيا في غاية القلة والندرة، و " ما " مزيدة لكمال القلة والإبهام.

ثم التفت عليه السلام إلى المدعى عليه، فقال له بعدما سمع منه اعترافه: إن رمت هذا، ضربنا منك هذا، إشارة إلى طرف أنفه، فقال المدعى عليه: أنت أيها الحاكم أحق بذلك الضرب، فنظر عليه السلام ولم ير أحدا { و } حنيئذ { ظن } بل تيقن { داوود أنما فتناه } وابتليناه بالذنب { فاستغفر ربه } عما جرى عليه من افتتان الله إياه { وخر } ساجدا من خشية الله، بعدما كان { راكعا } مكسور الظهر، منكوس الرأس عن ارتكاب الذنب { وأناب } [ص: 24] إلينا على وجه الندم والخجل مستحييا عنا، مستوحشا عن سخطنا وغضبنا إياه.

[38.25-29]

{ فغفرنا له ذلك } الذنب بعدما أخلص في الإنابة والرجوع إلينا، بل جميع ذنوبه التي صدرت عنه { و } كيف لا نغفر { إن له } أي: لداوود عليه السلام { عندنا } وفي ساحة قربتنا وعزتنا { لزلفى } لقربة ومنزلة رفيعة { وحسن مآب } [ص: 25] أي: خير مرجع ومنقلب من مقامات القرب ودرجات الوصول.

وأسر في ابتلاء الله إياه أنه لما رأى في كتب التواريخ أوصاف أسلافه إبراهيم وإسحاق ويعقوب، أضمر في نفسه أن يؤتى له مثل ما أتى إياهم من الخير الحسنى، فأوحى إليه أنهم قد ابتلوا فصبروا، فأعطي لهم ما أعطي فقال داود عليه السلام: يا رب لو ابتليت لصبرت أيضا مثلهم، فأوحى أنك تبتلى في شهر كذا في يوم كذا فاستحفظ الأوقات.

فلما جاء الموعد دخل محرابه وأغلق الباب على نفسه، فجاءه الشيطان في صورة حمامة من ذهب في غاية الحسن والبهاء ووقعت بين رجليه، فأراد أخذها؛ ليري بني إسرائيل عجائب صنع الله وبدائع قدرته، فطارت وجلست في كوة هناك فأراد أخذها فذهبت فنظر من الكوة فإذا هو بامرأة حسناء من أجمل النساء تغتسل فتعجب منها، فالتفت وأبصرت ظله فنفضت شعرها، فغطى جميع بدنها، فازداد داوود عجبا فوق العجب.

وبالجملة: قد ابتلي عليه السلام بمحبة تلك المرأة، وكان عمره حينئذ سعبين سنة، فسأل عنها، فقيل: هي امرأة أوريا بن حنان، فأوجس في نفسه قتله ليتزوج امرأته، وكان أوريا حينئذ مع ابن أخت داود في جيش، فأرسل إلى ابن أخته أن يقدم أوريا قدام التابوت، وكان من عادته من يقدمه قدام التابوت لا يحل له الرجوع حتى يفتح أو يقتل، فقدمه ففتح، فأمره أن يقدمه إلى أخرى، فقدمه ففتح أيضا، ثم أمر أن يقدمه ثالثا، فقدمه إلى جيش عظيم فقتل.

وبعدما انقضت عدة امرأته تزوجها داود عليه السلام، وهي أم سليمان عليه السلام، فعاتبه سبحانه بما عاتبه، فاستغفر ربه وخر راكعا وأناب، والعهدة على الراوي، وأنكر بعضهم هذه القصة؛ لأن الأنبياء معصومون عن أمثاله.

صفحه نامشخص