600

تفسير الجيلاني

تفسير الجيلاني

امپراتوری‌ها و عصرها
سلجوقیان

ثم لما سمع القوم من الحبيب ما سمعوا، عيروه وشنعوا عليه، وقالوا له: لست أنت أيضا على ديننا ودين آبائنا، بل ما أنتم إلا على دين هؤلاء المدعين { و } بعدما ما تفرس الحبيب منهم الإكار عليه أيضا، قال كلاما ناشئا عن محض الحكمة والفطنة على وجه العظة والتذكر لنفسه؛ ليتعظوا به على سبيل الالتزام؛ إذ هو أسلم الطرق في العظة والتذكير، وأدخل في النصيحة والتنبيه: { ما لي } أي: أي شيء عرض علي ولحق بي { لا أعبد } وأتوجه على وجه التذلل والانكسار للمعبود { الذي فطرني } على فطرة العبودية؛ أي: أبدعني وأظهرني من كتم العدم ولم أك شيئا مذكورا، ورباني بأنواع اللطف والكرم وأفاض علي من موائد لطفه وإحسانه، سيما العقل المفاض المرشد إلى المبدأ والمعاد { و } كيف لا أعبد وأتوجه نحوه؛ إذ { إليه } سبحانه الموصوف بالأسماء الحسنى ونعوت الجلال والجمال، لا إلى غيره من الأوثان والأصنام الحادثة، الهالكة في ذواتها، العاطلة عن الأوصاف الكاملة، المنحطة عن رتبة الألوهية والربوبية { ترجعون } [يس: 22] أنتم أيها الأظلال الهالكون، التائهون في بيداء ظهوره، حيارى هائمين رجوع الأضواء إلى شمس الذات، والأمواج إلى بحر الوحدة الذاتية.

{ أ } أنكروا المعبود على الحق، المظهر لما في الوجود { أتخذ من دونه آلهة } باطلة من الأوثان، عاطلة عن التصرفات مطلقا، منحطة عن رتبة العبودية، فكيف عن الربوبية والألوهية؟! وسميتهم شفعاء مغيثين لدى الحاجة مع أنه { إن يردن الرحمن } القادر المقتدر على أصناف الإنعام والانتقام { بضر } أي: مصيبة وسوء يتعلق مشيئته على إنزاله إلي { لا تغن } ولا تدفع { عني شفاعتهم شيئا } من بأس الله وعذابه، بل لا تنفعني شفاعتهم أصلا { ولا ينقذون } [يس: 23] بالمعاونة والمظاهرة عن عذابه سبحانه أيضا.

وبالجملة: { إني } بواسطة اتخاذهم شركاء لله، شفعاء عنده { إذا لفي ضلال مبين } [يس: 24] وغواية عظيمة ظاهرة؛ إذ اختيار ما لا ينفع ولا يضر على الضار النافع المعطي المانع، أو ادعاء مشاركتهم معه وشفاعتهم عنده سبحانه من أشد الضلالات وأردأ الجهالات.

{ إني } بعدما تفطنت بوحدة الحق واستقلاله في الوجود والآثار { آمنت بربكم } الذي هو ربي ورب جميع ما في حيطة الوجود وتحت ظله من الأكوان غيبا وشهادة، واعترفت بتوحيده واستقلاله بالتصرف في ملكه وملكوته بعدما كوشفت بوحدة ذاته { فاسمعون } [يس: 25] أيها العقلاء السامعون، المدركون مضمون قولي، واتصفوا بما فيه، وتذكروا به إن كنتم تعلمون.

فلما سمعوا منه توصيته وتذكيره، أخذوا في قتله وهلاكه، فوطئوه بأرجلهم إلى حيث يخرج أمعاءه من دبره، وهو في تلك الحالة زاد انكشافه بربه، واستولى عليه سلطان الوحدة وجذبته العناية الإلهية، وأدركته الكرامة القدسية حيث { قيل } له من قبل الحق حينئذ: اخرج من هوؤتك وانخلع من أنانيتك { ادخل الجنة } أي: فضاء الوحدة التي لا فيها وصب ولا نصب ، ولا عناء ولا تعب، فخرج وانخلع، فدخل على الفور واتصل، ثم بعدما وصل إلى ما وصل { قال } متمنيا، متحسرا لقومه بعدما لحق بفضاء الوصال: { يليت قومي يعلمون } [يس: 26].

{ بما غفر لي ربي } وانكشف علي وجذبني نحوه بعدما ستر عني أنانيتي ومحا مني هويتي { وجعلني من المكرمين } [يس: 27] المكرمين: الآمنين الفائزين المستبشرين الذين

لا خوف عليهم ولا هم يحزنون

[يونس: 62].

[36.28-35]

{ و } بعدما قتلوه ورفعناه عناية منا إياه، وأدخلناه في جنة وحدتنا مغفورا مسرورا، وكشفنا عنه غطاءه، أخذنا في انتقام قومه عنه، فأهلكناهم بصيحة واحدة صاح بها جبريل عليه السلام بأمرنا إياه { مآ أنزلنا على قومه } أي: قوم الحبيب، وهم أهل أنطاكية { من بعده } أي: بعد قتله؛ لننتقم عنهم لأجله { من جند من } جنود { السمآء وما كنا منزلين } [يس: 28] أي: ما ثبت منا، وما جرى في لوح قضائنا إنمال الملائكة لإهلاكهم كما جرت سنتنا لإهلاك سائر الأمم الهالكة.

صفحه نامشخص