تفسير الجيلاني
تفسير الجيلاني
ولا شك أن نبينا صلى الله عليه وسلم أفضل الأنبياء، وأكملهم في التربية والإرشاد، فيكون أبوته أيضا أكمل، وإشفاقه ومرحمته لأمته التي هي أفضل الأمم أتم وأوفر؛ لذلك قال سبحانه: { النبي } أي: هذا النبي المؤيد المبعوث إلى كافة الأمم، المتمم لمكارم الأخلاق ومحاسن الشيم، المكمل لمعالم الدين مراسم المعرفة واليقين { أولى بالمؤمنين } وأحق لهم أن يرجحوا جانبه على نفوسهم، ويختاروا غبطته { من أنفسهم } إذ نسبة تربيته إلى أجسادهم كنسبة تربية الأب المشفق المحافظ ابنه عن جميع ما لا يعنيه، المراقب له في جميع أحواله؛ ليوصله إلى الحياة الأبدية، والبقاء الأزلية السرمدية.
ونسبة تربيته نفوسهم المدبرة لأبدانهم، وإن كانت هي أيضا بتوفيق الله وإقداره إنما هي مقصورة إلى حفظ أجسامهم؛ لئلا تنهم وتنخرم، ولا تزول عنها الحياة المستعارة، وشتان ما بين النسبتين { وأزواجه أمهاتهم } أي: وبعدما ثبت أن تربيته صلى الله عليه وسلم شاملة، وأبوته كاملة صارت أزواجه اللاتي في حجوره صلى الله عليه وسلم وحضانته أمهات المؤمنين في الدين، وحرمتهن أعظم وأولى من حرمة أمهاتهم النسبية؛ إذ هن أتباع له صلى الله عليه وسلم وأهل بيته فيسري الأدب معه إليهن، وهن أيضا في أنفسهن من الكمالات اللائقة لأنواع الحرمات والكرامات، ومن جملتها: لياقتهن بشرف صحبة النبي صلى الله عليه وسلم.
فعليكم أيها المؤمنون ألا تنكحوا أزواجه أبدا؛ إذ هن أمهاتكم { و } بعدما سمعتم أيها السامعون المؤمنون أن النبي خير آبائكم في الدين، وأزواجه فضليات أمهاتكم أيضا فيه، وسائر المؤمنات والمؤمنين إخوانك وأخواتكم في الدين، لا تظنوا أن حكم أبوته صلى الله عليه وسلم وأمومتهن - رضي الله عنهن - وأخوة المؤمنين تسري في أحكام الميراث والعصوبة أيضا، بل { أولوا الأرحام } والأقارب المنتمين إليكم بالقرابة النسبية على تفاوت طباقتهم ذكورا أو إناثا { بعضهم أولى } وأحق شرعا { ببعض } أي: بأخذ الميراث من بعض؛ يعني: هم أصحاب الفروض والعصبات يأخذون متروكات المتوفى عنهم، ويحرزونها؛ لقرابتهم النسبية على مقتضى والعصبات يأخذون متروكا المتوفى عنهم، ويحرزونها؛ لقرابتهم النسبية على مقتضى سهامهم المقدرة { في كتاب الله } المنزل عليكم، الموافق لما في حضرة علمه ولوح قضائه من المنبي وأزواجه.
وأجانب { من المؤمنين والمهاجرين } وإن كانوا إخوانا في الدين لا يأخذون من أموالهم شيئا بلا قرابة نسبية { إلا أن تفعلوا } أي: المؤمنون منكم، وتخرجون من أموالهم على الوجه المشروع المستحسن { إلى أوليآئكم } في الدين مع كونهم أجانب لكم { معروفا } أي: وصية مشروعة مستحسنة عقلا وشرعا، غير مؤدية إلى إحراز التركة وتحريم الورثة، وهي التي لا تكون أزيد من ثلث المال { كان ذلك } أي: إخراج الوصية على الوجه المعروف { في الكتاب } الذي يتلى عليكم، وفيما قبلة من الكتب المتلوة على الأمم الماضين { مسطورا } [الأحزاب: 6] مثبتا، فللموصي له أن يأخذها على مقتضى ما ثبت في حكم الله وكتابه.
{ و } كيف لم يحسنوا الأدب أولئك المؤمنون الماضون مع أنبيائهم، وهؤلاء معك، مع أنا ما بعثنا الأنبياء والرسل؛ إلا لإرشاد المؤمنين، وهدايتهم إلى توحيدنا، وإيصالهم إلى زلال تفريدنا، وعلى ذلك أخذنا العهود والمواثيق المؤكدة من الأنبياء تأكيدا وإلزاما، اذكر يا أكمل الرسل لمن تبعك من المؤمنين؛ ليحافظوا على ما أمروا { إذ أخذنا من } عموم { النبيين } المبعوثين إلى الأمم الماضين { ميثاقهم } أي: عهودهم الوثيقة المؤكدة { و } خصوصا { منك } يا أكمل الرسل { ومن نوح } النجي { وإبراهيم } الخليل { وموسى } الكليم { وعيسى } الصفي الخالص عن كدر الناسوت من قبل الأب؛ لأنه { ابن مريم } لم يمسها ذكر من بني نوعها، بل إنما ولدته بلا أب إرهاصا لها، ومعجزة لابنها.
خص هؤلاء سبحانه بالذكر اهتماما بشأنهم - صلوات الله عليهم - { وأخذنا منهم } كرره تأكيدا ومبالغة؛ أي: كل واحد منهم، وممن لم نذكر أساميهم من ذوي الغزائم الخالصة { ميثاقا غليظا } [الأحزاب: 7] أي: عهدا وثيقا مؤكدا على ألا تتهاونوا، ولا تتكاسلوا في إرشاد العباد وإبعادهم عن الجور والفساد، وإيصالهم إلى ما أعددنا لهم من المراتب العلية والدرجات السنية.
وأنزلنا عليهم الكتب والصحف المشتملة على الأوامر والأحكام المقربة لتوحيدنا، والعبر والنواهي المعبدة عن الكفر والضلال، وأمرناهم أيضا بتيين الأوامر والنواهي إلى أممهم وتنبيهها عليهم؛ ليتفطنوا على فطرتهم التي جبلوا عليها في عالم الغيب؛ وليتميز عندهم الحق الحقيق بالاتباع من الباطل الزاهق الزائل.
كل ذلك { ليسأل } سبحانه في النشأة الأخرى عن أنبيائه ورسله - صلوات الله عليهم - عن أحوال العباد { الصادقين } الممتثلين بأوامر الله، المجتنبين عن نواهيه { عن صدقهم } وأخلاصهم في أعمالهم ونياتهم فيها، وأحوالهم ومواجيدهم واعتقادهم، وتلقيهم لقبول الحق والمحافظة عليه؛ ليشهد الأنبياء لهم فيفوزوا إلى ما أعد لهم من المراتب والمقامات، وأنواع السعادات والكرامات، مع أن علمه سبحانه بحالهم بغني عن شهادتهم؛ ليسأل أيضا سبحانه عن عناد العباد المصرين على الجور والفساد، المجترئين على الله بالخروج عن حدوده وعن مقتضيات أحكامه؛ ليشهدوا - صلوات الله عليهم - فيساقوا صاغرين مهانين إلى ما أعد الله لهم من الدركات والهوية الجهنمية { و } اعلموا أن الله سبحانه { أعد للكافرين } الجاحدين لأوامر الله ونواهيه المنزلة في كتبه على رسله { عذابا أليما } [الأحزاب: 8] لا عذاب أشد إيلاما منه.
[33.9-12]
ثم نادى سبحانه المؤمنين الموحدين، المواظبين على الطاعات بارتكاب الأوامر واجتناب المنهيات؛ كي يصلوا إلى ما أعد لهم ربهم من المثوبات المكرمات فقال: { يأيها الذين آمنوا } مقتضى إيمانكم: تعداد نعم الله عليكم، وإحصاء فواضله المتوالية المتتالية المتسقة { اذكروا } في عموم أوقاتكم وأحوالكم { نعمة الله } الفائضة { عليكم } على تعاقب الأزمان، وتلاحق الآناء والأحيان، سيما نعمة إنجائكم من أعدائكم ونصركم عليهم، مع كونكم آيسين منه، أذكروا يا أهل يثرب { إذ جآءتكم جنود } متعددة وأحزاب متعاقبة متلاصقة قاصدين لمقتكم واستئصالكم، وهم قريش وغطفان، ويهود بني قريظة وبني النضير، وكانوا زهاء اثني عشر ألفا، وأنتم قليلون فحفرتم الخندق على المدينة، ثم خرجتم تجاه الأعداء ثلاثة آلاف، والخندق بينكم وبينهم فقعدتم متقابلين، ومضى عليها قريب شهر لا حرب بينكم إلا بالترامي بالنبل والحجارة فاضطررتم واضطربتم، فأوجستم في نفوسكم خيفة، وصرتم متذبذبين متزلزلين لا إلى القرار ولا إلى الفرار.
صفحه نامشخص