تفسير الجيلاني
تفسير الجيلاني
وبالجملة: هم من خبث طينتهم، وجمود قريحتهم أموات حقيقة ومعنى، وإن كانوا من الأحياء صورة، لا تبال يا أكمل الرسل بهم وبشأنهم، ولا تجتهد إلى إهدائهم وتكميلهم { فإنك لا تسمع الموتى } أي: ليس في وسعك وطاقتك إسماع الموتى، بل ما عليك إلا التبليغ والدعوة { ولا تسمع الصم } الجبلي { الدعآء } والدعوة، سيما { إذا ولوا } وانصرفوا عنك { مدبرين } [الروم: 52] معرضين منكرين لك، مكذبين رسالتك ودعوتك.
{ و } كيف تجتهد وتسعى يا أكمل الرسل في حصول ما هو خارج عن وسعك وطاقتك مع أنك لا تؤم به؟! إذ { مآ أنت بهاد العمي عن ضلالتهم } إذ هم مجبولون على الغواية الجبلية في أصل فطرتهم، فقادون بصائر قلوبهم المدركة دلائل التوحيد وشواهد الوحدة الذاتية، ولا يتأتى لك أن تهديهم إلى طريق التوحيد وترشدهم إليه { إن تسمع } بتبليغك وإرشادك { إلا من يؤمن بآياتنا } ونوفقهم على الإيمان بمقتضى ما ثبت وجرى في لوح قضائنا وحضرة عملنا { فهم } بعدما سبقت العناية منا إياهم { مسلمون } [الروم: 53] منقادون لك، مسلمون منك جميع ما بلغت لهم من شعائر الدين، ودلائل التوحيد واليقين.
[30.54-57]
ثم قال سبحانه على سبيل الامتنان إظهارا لكمال قدرته على إبداء الشئون و التطورات الواردة على عباده حسب تعاقب الأزمنة والأوقات في النشأة الأولى، فكيف ينكرون إعادتها في النشأة الأخرى مع أن الإعادة أهون من الإبداء، وإن كان الكل في جنب قدرته على السواء: { الله } القادر المقتدر، الحكيم المتقن في أفعاله وأحكامه، العليم بمقتضاها هو { الذي خلقكم } وقدر وجودكم بعدما أبدعكم من كتم العدم في عالم الطبيعة والهيولي { من ضعف } هو ماء النطفة الضعيفة المهينة { ثم جعل } ما صير وخلق { من بعد ضعف } كائن في نشأة النطفة { قوة } جسمانية متزايدة، مستكملة فيها إلى أن بلغت كمال الشباب { ثم جعل من بعد قوة } كائنة في عالم الشباب { ضعفا } وانحطاما { وشيبة } مضعفة لجميع القوى والآلات، منتهية إلى الهم الذي عبر عنه سبحانه بأرذل العمر؛ كي لا يعلم صحابه من بعد علم شيئا، وبالجملة: { يخلق } ويظهر سبحانه جميع { ما يشآء } ويريد إرادة واختيارا { و } كيف لا { هو العليم } بجميع ما أحاط عليه إرادته ومشيئته { القدير } [الروم: 54] لإيجاده وإظهاره في فضاء العيان بلا فتور وقصور.
{ و } كيف ينكر من ينكر الحشر والنشر، وإعادة الموتى أحياء بعدما شهد هذه التطورات المتخالفة المتعاقبة؟! اذكر لهم يا أكمل الرسل { يوم تقوم الساعة } الموعودة المعدة لحشر الأموات من الأجداث { يقسم المجرمون } أي: يقسم ويحلف كل منهم عند صاحبه بمدة لبثهم في الدنيا مترفهين متنعمين، واتفقوا بعدما اختلفوا وترددوا في مكثهم فيها أنهم { ما لبثوا } فيها { غير ساعة } واحدة بالنسبة إلى طول يوم القيامة، ومن شدة عذابها وأهوالها، وكثرة الهموم والأحزان فيها صار لبثهم في الدنيا مدة أعمارهم فيها ساعة واحدة عندهم، بل بضعهم تخيلوا أقصر منها { كذلك } أي: مثل صرفهم عن طول مدة مكثهم في الدنيا يوم القيامة { كانوا يؤفكون } [الروم: 55] ويصرفون في النشأة الأولى عن طريق التوحيد، وسبيل الهداية والرشاد من كمال غفلتهم وقسوتهم.
{ و } بعدما سمع منهم المؤمنون الموحدونن استقصارهم مدة لبثهم فيها، وانصرافهم عن الحق { قال الذين أوتوا العلم } اللدني من قبل الحق { والإيمان } بالمغيبات التي أمروا بتصديقها على ألسنة الرسل والكتب، سيما يوم البعث والنشور ردا عليهم، وتخطئة لهم: { لقد لبثتم } في الدنيا بمقتضى ما ثبت { في كتاب الله } ولوح قضائه، وحضرة علمه { إلى يوم البعث } وحشر الموتى، وقيام الساعة { فهذا } اليوم الذي أنتم فيه معذبون الآن { يوم البعث } الموعود لكم في الدنيا على ألسنة الرسل { ولكنكم } من خبث طينتكم وجهلكم { كنتم لا تعلمون } [الروم: 56] ولا تؤمنون به، ولا تصدقون قيامه، بل تنكرونها وتكذبون من أخبر بها من الرسل العظام، مع أنهم مؤيدون من قبل الحق بالدلائل القاطعة، والبراهين الساطعة، والمعجزات الباهرة الظاهرة.
وبعدما فوتوا الفرص في دار الاختبار، وضيعوا عين العبرة والاعتبار فيها { فيومئذ ا } أي: حين قيام الساعة، وانقضاء أيام التفقد والتدارك { لا ينفع الذين ظلمو } أنفسهم بالخروج عن حدود الله والعرض على عذابه { معذرتهم } أي: عذر منهم ليعتذروا عن قصورهم، ويتوبوا عن فتورهم متداركين لما فوتوا { ولا هم يستعتبون } [الروم: 57] أي: لا يطلب منهم العتبى حتى يزول عتابهم بالتوبة والإنابة والندم والرجوع؛ إذ قد انقضت نشأة الاتبلاء الاختبار، حينئذ لا يقبل منهم التوبة والعبادة أصلا.
[30.58-60]
ثم قال سبحانه على سبيل التأكيد والمبالغة مشيرا إلى كمال قسوة أهل الزيغ والضلال: { ولقد ضربنا } وبينا { للناس } الناسين طريق الوصول إلى توحيدنا ووحدة ذاتنا { في هذا القرآن } المنزل من عندنا؛ لتبيين طريق توحيدنا، وسلوك سبيل الاستقامة والرشاد فيه { من كل مثل } ينبئ لهم عنه، وينبئهم عليه، ويبين لهم كيفية التنبه والتفطن منه، ومع ذلك لم ينتبهوا ولم يتفطنوا إلا قليلا منه { و } من غلظ غشاوتهم، ونهاية غفلتهم وضلالهم { لئن جئتهم } يا أكمل الرسل { بآية } من آيات القرآن ملجئة لهم إلى الإيمان، لو تأملوا معناها وتدبروا فحواها { ليقولن الذين كفروا } أي: أعرضوا عن الحق، وانصرفوا عن توحيده والإيمان على سبيل الحصر والمبالغة بلا مبالاة بك وبآياتك: { إن أنتم } أي: ما أنتم في دعواكم هذه أيها المدعون الكاذبون - يعنون: الرسلو والمؤمنين - { إلا مبطلون } [الروم: 58] متفرون مزروعون، تفترون على الله ما تختلقون من تلقاء نفوسكم تغريرا وترويجا.
{ كذلك } أي: مثل طبعهم وختمهم الذي شهدت يا أكمل الرسل من هؤلاء الجهلة { يطبع الله } الحكيم المتقن في أفعالهن ويختمه { على قلوب } جميع الكفرة والجهلة { الذين لا يعلمون } [الروم: 59] الحق، ولا يذعنون به؛ لتركب جهلهم في جبلتهم، والجهل المركب لا يزول بالقواطع والشواهد قطعا
صفحه نامشخص