548

تفسير الجيلاني

تفسير الجيلاني

امپراتوری‌ها و عصرها
سلجوقیان

ما يبدل القول لدي

[ق: 29].

{ ذلك الدين } المنزل عليك من ربك يا أكمل الرسل؛ لوقاية الفطرية الأصلية المذكورة هو الدين { القيم } الطريق الأعدل الأقوم، الموصل إلى توحيده سبحانه على الاستقامة بلا عوج وانحراف { ولكن أكثر الناس } المجبولين على الغفلة والنسيان { لا يعلمون } [الروم: 30] حقيقته، ولا يفهمون استقامته وإيصاله إلى التوحيد، فعليكم أيها المحمديون أن تتدينوا بدين الإسلام، وتطيعوا بجمع ما فيه من أوامر الله ونواهيه.

{ منيبين إليه } راجين نحوه بالإخلاص التام { واتقوه } واحذروا عن محارمه خوفا من انتقامه بالخروج عن مقتضى حدوده، ومع ذلك لا تقطنوا من فضله وسعة ورحمته وجوده { و } بالجملة: { أقيموا الصلاة } وأديموا الميل نحوه في جميع أوقاتكم وحالاتكم، سيما في الأوقات المكتوبة والساعات المحفوظة { ولا تكونوا } أيها المنيبون المتوجهون نحو الحق، المتدينون بدين الإسلام { من المشركين } [الروم: 31] المشركين معه سبحانه غيره في حال من الأحوال، ولا تنسبوا الحوادث الكائنة في ملكه وملكوته إلى غيره من الأضلال والأسباب الهالكة، المستهلكة في شمس ذاته مع كمال توحده واستقلاقه في الوجود والتصرفات الواقعة في مظاهره ملطقا.

وبالجملة: لا تكونوا أيها المحمديون المتدينون بالدين النازل من عند الله؛ لحفظ فطرتكم التي هي التوحيد الذاتي { من الذين فرقوا دينهم } الوحداني الذي هو وقاية توحيدهم فرقا مختلفة، وابتدعوا فيه مذاهب متفاوتة متخالفة فتشعبوا شعبا كثيرة { وكانوا شيعا } وأحزابا يشايع ويروج { كل حزب } منهم { بما لديهم } وعندهم من المذهب المبتدع المستحدث من تلقاء نفوسهم { فرحون } [الروم: 32] مسرورون، مدعون كل منهم حقية ما هم عليه من الباطل الزائغ.

ثم أشار سبحانه إلى ما حداهم وأغراهم على هذا الزيغ والضلال من الخصلة الذميمة المركوزة في جبلتهم فقال: { وإذا مس الناس } المجبولين على الكفران والنسيان { ضر } أي: شدة وبلاء، ومصيبة وعناء يزعجهم إلى الدعوة والتوجه نحو الحق؛ لكشفه وتفريجه { دعوا ربهم منيبين إليه } مائلين عن الأسباب العادية مطلقا، مسترجعين نحوه عن محض الندم والإخلاص { ثم إذآ أذاقهم } الحق، وأنجاهم { منه } أي: من الضرر ومن آثاره ولوازمه المستتبعة { رحمة } لهم، وعطفا إياهم على مقتضى اللطف والجمال { إذا فريق منهم } أي: فجاء فريق منهم { بربهم يشركون } [الروم: 33] أي: يشركون بربهم، وينسبون الكشف والتفريج إلى الأسباب الوسائل العادية، بل إلى ما اتخذوها من دون الله من الآلهة الباطلة التي اعتقدوها شفعاء ينقذونهم عن أمثاله.

وإنما فعلوا ذلك ونسبوا ما نسبوا إلى الأظلال البالطة { ليكفروا بمآ آتيناهم } وأعطيانهم من النعم العظام والفواضل الجسام؛ وما ذلك إلا من خبث طينتهم، وتركب جهلهم في جبلتهم، قل لهم يا أكمل الرسل نيابة عنا: { فتمتعوا } أيها لاكافرون لنعمنا، ولفواضل لطفنا ولكرمنا، ولتعيشوا بها بطرين مسرورين { فسوف تعلمون } [الروم: 34] عاقبة تمتعكم وكفرانكم، وما يترتب عليها من أنواع العذاب والنكال؛ إذ يأتي عليهم زمان يعترف كل منهم بما جرى عليه من الكفران والعصيان وقت رؤيتهم أحوال الكافرين وأهوالهم في النار.

[30.35-39]

{ أم أنزلنا } يعني: بل أنزلنا { عليهم } حينئذ { سلطانا } ملكا ذا سلطنة وسطوة { فهو يتكلم } معهم، ويذكرهم { بما كانوا به يشركون } [الروم: 35] أي: بجميع ما صدر عنهم من الشرك والكفران، وأنواع الفسوق والعصيان بلا فوت شيء منها.

ثم قال سبحانه: { وإذآ أذقنا الناس رحمة } وأعطيناهم نعمة وسعة في الرزق، وصحة في الجسم على الترادف والتوالي { فرحوا بها } وأفرطوا في الفرح والسرور إلى أن بطروا، وباهوا مفتخرين بما عندهم من الأسباب { وإن تصبهم } أحيانا { سيئة } مثل جدب وعناء، ومصيبة وبلاء تسوءهم، مع أنهم إنما أصابهم { بما قدمت أيديهم } أي: بشؤم ما اقترفوا من المفاسد والمعاصي الموجبة للبطش والانتقام، فانتقمنا منهم؛ لذلك { إذا هم يقنطون } [الروم: 36] أي: فجاءوا على اليأس والقنوط منا بحيث لا يتوجهون إلينا؛ لكشفها وتفريجها، بل لا يعتقدون قدرتنا على كشفها ورفعها.

صفحه نامشخص