تفسير الجيلاني
تفسير الجيلاني
وإن صرفهم عن الإيمان فاقة أهل الإيمان وفقر الموحدين، قل لهم نيابة عنا: { الله } المطلع لاستعدادات عباده وقابلياتهم { يبسط الرزق لمن يشآء من عباده } على مقتضى استعداده { ويقدر له } ويقبض عنه حسب تعلق إرادته { إن الله } المتقن في أفعاله { بكل شيء } صدر عنه إرادة واختيارا { عليم } [العنكبوت: 62] لا يعزب عن حيطة علمه شيء من لوازمه ومتمماته، وجميع مقتضياته.
{ و } يا أكمل الرسل: { من نزل من } جانب { السمآء مآء فأحيا به } أي: بواسطة الماء على مقتضى عادته المستمرة من تعقيب الأسباب بالمسببات { الأرض } الجامدة اليابسة { من بعد موتها } أي: جمودها ويبسها؟ طبعا { ليقولن الله } طوعا، القادر المقتدر على الإحياء والإماتة، ومع اعترافهم بوحدة الله وانتساب معظم الأشياء إليه يشركون له غيره عنادا ومكابرة { قل } أيضا { لئن سألتهم } يا أكمل الرسل بلسان الجمع، بعدما عصمك الحق عن الشرك وأنواع الجهالات بإفاضة العقل المفاض، وهداك إلى توحيده بالرشد الكامل المكمل المميز لك أكمل التمييز، حامدا لله شاكرا لنعمه، سيما نعمة العصمة عن الشرك والضلال: { الحمد } والثناء الصادر من ألسنة ذرائر الكائنات المتذكرة لمبدئها ومنشئها طوعا وطبعا، ثابتة حاصلة { لله } راجعة إليه سبحانه أصالة؛ إذ لا مظهر لهم سواه، ولا موجد في الوجود إلا هو.
{ بل أكثرهم } من نهاية غفلتهم وضلالهم عن الله { لا يعقلون } [العنكبوت: 63] ولا يفهمون وحدة الحق واستقلاله في الآثار والتصرفات الواقعة في الأنفس والآفاق، ولا يستعملون عقولهم المفاضة لهم للتدبر والتأمل في هذا المطلب العزيز حتى يستبعدوا الفيضان نزول الوحدة بطريق الكشف والشهود، فخلصوا عن التردد في هاوية الجهالات، وأودية الخيالات والضلالات، وما يعوقهم ويمنعنم عن الوصول إلى هذا المطلب العلي، والمقصد السني إلا المزخرفات الدنية الدنيوية، الملهية للنفوس البشرية عن اللذات الروحانية، مع أنها ما هي في أنفاسها إلا أوهام وخيالات باطلة، فكيف ما يترتب عليها من اللذات الوهمية والشهوات البهيمية؟!.
كما قال سبحانه مشيرا إلى فناء زخرفة الدنيا وعدم قرارها وثباتها، وبقاء النشأة الأخرى وما يترتب عليها من اللذات الروحانية، والدرجات العلية النورانية المتفاوتة علما وعينا وحقا على تفاوت طبقات أرباب الكشف والشهود، ومقتضيات استعداداتهم الثابتة في لوح القضاء وحضرة العلم الإلهي: { وما هذه الحياة الدنيآ } التي لا قرار لها ولا مدار حقيقة، بل لا أصل لها أصلا سوى سراب انعكس من شمس الذات، وأمواج حدثت في بحر الجود { إلا لهو ولعب } يعني: كما أن السراب يلهي ويخدع العطشان بالتردد والتبختر نحو على اعتقاد أنه ماء، فيتعب نفسه ويزيد عطشه، بل يهلكها، كذلك الحياة الدنيوية ومزخرفاتها الفانية، ولذاتها الزائلة الذاهبة الإمكانية تتعب صاحبها طول عمره، ولا ترويه، ثم تميته بأنواع الحسرة والضجرة { وإن الدار الآخرة } وما يترتب عليها من المكاشفات والمشاهدات اللدنية، وما يترتب عليها من أنواع الفتوحات والكرامات الفائضة لأرباب التوحيد { لهي الحيوان } أي: هي مقصورة على الحياة الأزلية الأبدية التي لا يطرأ عليها زوال، ولا يعقبها فناء، ولا يعرض للذاتها انصرام وانقضاء { لو كانوا يعلمون } [العنكبوت: 64] يوقنون بها وبما فيها من الكرامات لم يؤثروا الدنيا الدنية وحياتها الفانية المستعارة عليها، ولم يختاروا اللذات الوهمية البهيمية على لذاتها الأزلية الأبدية، ويجهلهم وضلالهم اختاروا الفاني على الباقي، والزائل على القار، والسراب المهلك على الفرات المحيي.
[29.65-69]
والعجب منهم ومن حالهم كل العجب أنهم مع شركهم وإصرارهم على الكفر، وعدم تأثرهم بالزواجر والروادع الواردة من قبل الحق، ظهور المعجزات المزعجة إلى الإيمان { فإذا ركبوا في الفلك دعوا الله } متضرعين نحوه { مخلصين له الدين } أي: كائنين كالمؤمنين المطيعين، الخالصين إطاعتهم وانقيادهم لله بلا شوب الشرك وشين الكفر { فلما نجاهم } من كمال فضلنا وجودنا إياهم { إلى البر } وأخلصناهم من المهلكة آمنين { إذا هم يشركون } [العنكبوت: 65] يعني: هم ما جاءوا على الفور بعيد ما خلصوا من التهلكة إلى الشرك والطغيان وأنواع العصيان والكفران.
قل لهم يا أكمل الرسل نيابة عنا آمرا لهم على سبيل التهديد: { ليكفروا } أولئك الكافرون { بمآ آتيناهم } من النعم العظام، سيما نعمة الإنجاء من مضيق البحر { وليتمتعوا } أولئك المتمتعون بما عندهم من الحطام الدنيوية، وما هم عليه من الإصرار على الكفر الضلال { فسوف يعلمون } [العنكبوت: 66] ما يترتب على كفرانهم وتمتعهم وشركهم وضلالهم.
{ أ } ينكرون نعمنا وإنعامنا إياهم أولئك الكافرون المبطلون { ولم يروا } ولم يعلموا أهل مكة { أنا } من مقام جودنا وفضلنا إياهم { جعلنا } بلدهم؛ يعني: مكة { حرما } يعني: ذا حرمة عظيمة يأوي إليها الناس من جميع أقطار الأرض من لك مرمى سحيق وفج عميق { آمنا } ذا أمن أهله من النهب والسبي وأنواع الأذى { ويتخطف } نهبا وسبيا، وهم آمنون فيها، مصونون عن المؤذيات كلها، وهم مع ذلك يكفرون نعمنا ويشركون بنا غيرنا { أ } أي: يختلس ويؤخذ { الناس من حولهم } ما تستحيون من الله أيها المبطلون، وما تخافون من بطشه أيها المفسدون المسرفون؟! { فبالباطل } العاطل الزاهق الزائل؛ يعني: الأصنام والأوثان { يؤمنون } أي: يطيعون ويعبدون، مع أنهم لا يقدرون على جلب نفع ودفع ضر { وبنعمة الله } القادر المقتدر القوي على البطش والانتقام { يكفرون } [العنكبوت: 67] فستعلمون أيها الجاهلون الضالون أي منقلب تنقلبون.
ثم قال سبحانه على سبيل التهديد والوعيد الشديد: { ومن أظلم } وأشد عدوانا على الله، وخروجا عن مقتضى حدوده، وعلى نفسه بالعرض على بطشه وعذابه { ممن افترى } وانتسب إلى الله مراء وافتراء { على الله كذبا } عظيما بأن يشرك معه غيره، مع أنه ليس في الوجود سواه { أو كذب بالحق } المطابق للواقع، الثابت النازل من عنده سبحانه؛ يعني: الرسول { لما جآءه } كذبه فجأة بلا تأمل وتدبر عنادا ومكابرة { أليس في جهنم مثوى للكافرين } [العنكبوت: 68] يعني: أيزعمون أولئك المسرعون في التكذيب، المجترئون على الإنكار أنهم لا يدخلون جهنم الطرد وجحيم الخذلان، خالدين مخلدين بسبب هذا الجرم العظيم والافتراء البالغ نهاية البغي والفساد على الله وعلى كتابه ورسوله؟! بلى هم المستوجبون المقصودون على الخلود فيها أبدا مهانين صاغرين.
ثم قال سبحانه على مقتضى سنته المستمرة من تعقيب الوعيد بالوعد: { والذين جاهدوا فينا } يعني: المؤمنين الموقنين الذين حازوا كلا مرتبتي العين و الحق على مقتضى استعداداتهم الفطرية، ثم اجتهدوا ببذل وسعهم بأن يفنوا فينا، ويبقوا ببقائنا، باذلين مهجهم في سبيلنا، تاركين أنانيتهم وأعيانهم الباطلة في هويتنا وعيننا الحق { لنهدينهم } ونوفقن عليهم { سبلنا } ولنزيدن هديهم ورشدهم إلينا جذبا منا إياهم، وعناية لهم، وأحسانا معهم { و } كيف لا يجذبهم ولا يعتني بشأنهم، ولا يزيد برشدهم وتوفيقهم؟! { إن الله } المتجلي لخلص عباده بمقتضى أسمائه وصفاته { لمع المحسنين } [العنكبوت: 69] منهم، وهم الذين يحسنون الأدب مع الله، ويجتهدون في إفناء ذواتهم في ذاته بعدما تحققوا بمقام الكشف والشهود، وتيقنوا ألا موجود سواه، ولا إله ي الوجود إلا هو، اجتهدوا حينئذ أن يحكوا أضلال هوياتهم الباطلة، وعكوس تعيناتهم الهالكة العاطلة عن دفتر الوجود مطلقا؛ لئلا يبقى لهم عين ولا اسم ولا رسم.
صفحه نامشخص