606

تفسير القرآن العظيم المنسوب للإمام الطبراني

تفسير القرآن العظيم المنسوب للإمام الطبراني

مناطق
فلسطین
امپراتوری‌ها و عصرها
اخشیدیان

[171]

قوله تعالى : { ياأهل الكتاب لا تغلوا في دينكم ولا تقولوا على الله إلا الحق } ؛ نزلت في نصارى نجران وهم : النسطورية : الذين يقولون عيسى ابن الله ، والماريعقوبية : الذين يقولن عيسى هو الله ، والمرقوسية : الذين يقولون ثالث ثلاثة ؛ ويقال هم الملكانية. ومعنى الآية : يا أهل الكتاب لا تجاوزوا الحد في الدين فتغيروا فيه. والغلو في الدين : مجاوزة الحد فيه ، وقد غلت النصارى في أمر عيسى حتى جاوزوا به منزلة الأنبياء فجعلوه إلها.

ويقال : إن الآية خطاب لليهود والنصارى ؛ لأن اليهود أيضا غلوا في أمر عيسى حتى جاوزوا به منزلة من ولد على غير الطهارة فجعلوه لغير رشده. قوله تعالى : { ولا تقولوا على الله إلا الحق } أي لا تصفوا الله إلا بالحق ، والحق أن يقال : إله واحد لا شريك له ولا صاحبة ولا ولد ، وينزهه عن القبائح والنقائص وعن جميع صفات المحدثين.

قوله تعالى : { إنما المسيح عيسى ابن مريم رسول الله } ؛ أي ليس المسيح إلا رسول الله ؛ لأن (إنما) تقتضي تحقيق المذكور وتمحيق ما سواه ، كقوله تعالى : { إنما الله إلاه واحد } ، وفي قوله : { عيسى ابن مريم } بيان أنه لا يجوز أن يكون إلها ؛ أي كيف يكون إلها وهو ابن مريم أمة الله ؟ وكيف يكون إلها وأمه قبله. قوله تعالى : { وكلمته ألقاها إلى مريم } ؛ أي أنه كان بكلمته عز وجل وهو قوله : (كن) فكان.

قوله تعالى : { وروح منه } ؛ قال ابن عباس : (معناه : أمر من الله عزوجل ؛ أتاها جبريل بأمر الله فنفخض في جيب درعها ؛ فدخلت تلك النفخة بطنها ؛ فخلق الله عيسى بنفخة جبريل عليه السلام]. والنفخ في اللغة : يسمى روحا. وقيل : سماه الله تعالى روحا ؛ لأنه كان يحيي به الناس في الدين كما يحيون بالأرواح. وقيل : لأنه روح من الأرواح أضافه الله إليه تشريفا له ، كما يقال : بيت الله. وقال السدي : (معناه (وروح منه) أي مخلوق منه ؛ أي من عنده).

وقيل : معناه : ورحمة منه ؛ أي جعله الله رحمة لمن آمن به ، يدل عليه قوله تعالى : { وأيدهم بروح منه }[المجادلة : 22] أي قواهم برحمة منه. وقيل : الروح : الوحي ؛ أوحى إلى مريم بالبشارة ، وأوحى إلى جبريل بالنفخ ، وأوحى إليه أن كن ؛ فكان ، يدل عليه قوله تعالى : { ينزل الملائكة بالروح }[النحل : 2] أي بالوحي ، { وكذلك أوحينآ إليك روحا من أمرنا }[الشورى : 52] أي وحيا.

وروي : أنه كان لهارون الرشيد طبيب نصراني ، وكان غلاما حسن الوجه جدا ، وكان كامل الأدب جامعا للخصال التي يتوسل بها إلى الملك ، وكان الرشيد مولعا بأن يسلم وهو يمتنع ، وكان الرشيد يمينه الأماني إن أسلم ، فقال له ذات يوم : ما لك لا تؤمن ؟ قال : إن في كتابكم حجة على من انتحله ، قال : وما هي ؟ قال : قوله تعالى : { وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه } فعبر بهذا أن عيسى جزء منه.

صفحه ۱۰۶