الأول فى مكانه الطبيعى الذي يمنع اللبن الآخر أن يزول عن موضعه ، يتعاون كله على الثبات. فإذن البناء علة بالعرض للبيت ، وكذلك الأب علة بالعرض للابن ، فإنه علة لتحريك المني إلى القرار ، ثم ينحفظ المنى فى القرار بطبعه ، أو بمانع آخر يمنعه السيلان ، وهو انضمام فم الرحم ، ثم قبوله للصورة الإنسانية لذاته. وأما مفيد الصورة فهو واهب الصور ، فهذا بعض حججهم.
وأما إثبات المذهب فيما نقوله : فيجب أن تعلم أن كل معلول فله صفتان ، وكل علة فلها صفتان ، أما ما للمعلول ، فإحداهما أن وجوده مستفاد من العلة ، والثاني أن العدم يسبق ذلك الوجود ، فيكون تعلق المعلول بالعلة إما من جهة وجوده أو من جهة سبق العدم. ومحال أن تكون العلة علة لسبق العدم ، فإن عدم الشىء لا علة له إلا عدم علة الوجود ، فليس للعلة تأثير فى سبق العدم. ثم إن لم يكن للمعلول تعلق بالعلة من جهة الوجود ، لم يكن له تعلق بالعلة أصلا. فإذن قد يجب أن يكون تعلق المعلول بالعلة من جهة الوجود لا غير. وأما كون ذلك الوجود بعد العدم فإنه لم يصر بعلة ، فإنه لا يمكن أن يكون وجود ذلك المعلول إلا بعد عدم ، وما لا يمكن فلا علة له ، فإن الممتنع لا علة له ، فليس لوجوده من بعد عدم سبب من حيث هو وجود بعد عدم. فإن هذا الوجود لا يمكن أن يكون إلا بعد عدم ، فإن الوجود الذي سبقه العدم لا يصح أن يكون إلا بعد سبق العدم ، لأنه يسبقه العدم بذاته ، فلا علة له. فلا إمكان لوجوده بعد عدم من حيث هو بعد العدم ، وإنما الإمكان للوجود من حيث هو وجود فحسب. وأما كونه بعد العدم فهو ضرورى لا ممكن. فالمعلول يحتاج إذن إلى العلة فى وجوده ، وهو ممكن ، إذ إمكانه فى وجوده فقط ، ولا حاجة له إلى العلة فى أن يكون بعد العدم ، فإن هذا المعنى هو واجب لذلك الوجود ، وما كان واجبا لم يحتج إلى علة من خارج. والشىء لا يتغير جوهره. ولما كان المعلول محتاجا إلى العلة ومتعلقا بها من هذه الجهة ، وجب أن يكون مثل هذا الوجود دائما محتاجا إلى العلة. وهذه الصفة مقومة لمثل هذا الوجود ، أعنى الحاجة إلى العلة. فإذن المعلول فى أنه يحتاج فى وجوده إلى العلة مقوم ذلك ، وإلا كان واجبا بذاته ، ولم يكن واجبا بغيره ، فإذن العلة علة الوجود. وأما سبق العدم فعلته أن تلك العلة لم تكن موجودة ، لا شىء آخر. فتكون العلة لها حالتان : إحداهما : أن لم يكن سبب الوجود ، والأخرى أن صار فى ذلك الوقت سببا للوجود. فإذن عليتها لسبق العدم هو لا كونها علة للوجود ، ولا عليتها ليست هى علة ، ولا يدخل فى حكم كونها
صفحه ۱۷۷