تعجب
التعجب
ویرایشگر
تصحيح وتخريج : فارس حسون كريم
بسم الله الرحمن الرحيم وبه نستعين ((1) اللهم إنا نحمدك على ما أنعمت وأعطيت، ونشكرك لما أوليت وأسديت، ونسألك الصلاة على من انتخبت ((2) وارتضيت، وانتجبت لرسالتك وارتضيت ((3)، سيدنا محمد رسولك الذي اصطفيت، الحافظ لما أوجبت، والناهض بما أمضيت، وعلى الأئمة الطاهرين أهل البيت، [صلاة] تزيد على عدد من ((4) أبقيت وأفنيت، وترفع فوق كل من ((5) اختصصت وأعليت، وأكرمت برضوانك فارتضيت، وترغب ((6) إليك في التثبت على ما أرشدت إليه وهديت، من موالاة
صفحه ۲۹
من واليت، ومعاداة من عاديت ((1)، والتسليم لما ارتضيت، والرضا ((2) بما أقضيت.
وبعد: فهذا الكتاب ((3) حداني على عمله أن أحد الإخوان من أهل الإيمان شملهم الله بفضله اطلع من أمالي الشيخ المفيد (رضي الله عنه) على كتاب موسوم ب " أطراف الدلائل وأوائل المسائل " يتضمن كلاما في الإمامة، فرأى في آخره (4) بابا من أغلاط العامة، أورده الشيخ (رضي الله عنه) على طريق التعجب منهم، وضمنه يسيرا من خطأهم المحفوظ عنهم، وجعله بابا قصيرا، وقولا يسيرا، حسب ما اقتضاه غرضه [في الكتاب، من الاختصار في كل باب، فراقه وأعجبه، ولم يحب فراقه] واستطرفه واستغربه، وتأسف لقصر الباب، وتلهف على طول الخطاب، وسألني في سلوك سبيله، واتباع قصده وقوله، بكلام فصيح، وغرض كغرضه صحيح، [اتبعته] ليكون ما أورده كتابا مفردا، وفنا في الإمامة واحدا.
فأعلمته أن كتب الشيخ (5) المفيد (رحمه الله) مفاتيح الفوائد، ومصابيح المراشد، وأن السعيد من سلك أممه، ووطئ [أثر] قدمه، وقصد نهجه، واعتمد حججه، واتبع آثاره، واقتبس أنواره.
صفحه ۳۰
فأما العامة فلا (١) تنحصر أغلاطهم، ولا تجتمع في الإمامة مناقضاتهم، لأن زللهم غير قليل، والتعجب منهم طويل، وكيف لا يتعجب ممن قتل الدليل، والتمس السبيل، واتهم (٢) الهداة، وطلب النجاة، وهجر (٣) اليقين، واتبع الظنون، وكره الائتلاف، ورضي الاختلاف؟!
وكيف لا يتعجب ممن يتقرب إلى الله سبحانه بمعاداة أوليائه، ويدينه بموالاة أعدائه، ويطلب طاعته من معصيته، ويلتمس ثوابه بمخالفته؟!
بل كيف لا يتعجب من قوم ادعوا الشريعة وغيروها، وانتحلوا الملة وبدلوها، وضيعوا الفرائض واختلفوا فيها، وتركوا السنة وانتسبوا إليها؟! قوم غلبتهم العصبية، وملكتهم الحمية [حمية الجاهلية]، وأضلتهم الأهواء، وضلت عنهم الآراء، فعميت أبصارهم، وصدئت أفكارهم، وتناقضت أقوالهم، وتباينت أفعالهم، [فهم] في ظلمات غيهم تائهون، وبأذيال جهلهم عاثرون، وعن الحق حائدون (٤)، وللحق معاندون، <a class="quran" href="http://qadatona.org/عربي/القرآن- الكريم/0/19" target="_blank" title="سورة المجادلة: 19">﴿أولئك حزب الشيطان ألا إن حزب الشيطان هم الخاسرون﴾</a> (5).
وأنا متبع ما رغب فيه الأخ الرشيد، أدام الله له التسديد، من عمل هذا الكتاب، وإيراد ما حضرني (6) في فصوله من كل باب، من مناقضات القوم في الإمامة وأغلاطهم، وغلوهم في المعاندة وإفراطهم، مما يقتضي التعجب منهم، ويوجب
صفحه ۳۱
الشكر لله سبحانه عن (1) الانفصال عنهم.
ومن الله أستمد (2) التوفيق، وهو حسبي ونعم الوكيل.
صفحه ۳۲
الفصل الأول في (1) أغلاطهم في ذكر الوصية [فمن عجيب أمرهم: أنهم قد أجمعوا معنا على حسن الوصية] وفضلها وشرفها، وحميد فعلها، وأنها [قد] تكون في المال والأهل والولد، وجميع من (2) كان يسوسه الموصي ويرعاه، وما كان [يقوم] به ويتولاه، وأن إهمالها تفريط، وتركها تضييع، وفي فعلها حسن نظر واحتياط، وجميل حزم واحتراز، وسمعوا في القرآن ذكرها، واعترفوا أن النبي (صلى الله عليه وآله) أمر بها، وحث عليها، ورغب فيها، ودعا إليها. ورووا (3) عنه (صلى الله عليه وآله) أخبارا من جملتها [قوله عليه الصلاة والسلام]: " لا ينبغي لامرئ مسلم أن يبيت ليلتين إلا ووصيته [مكتوبة عنده " (4).
وفي خبر آخر: " إلا ووصيته] تحت رأسه " (5).
صفحه ۳۳
ثم ادعوا مع ذلك أنه (صلى الله عليه وآله) مضى [من الدنيا] ولم يوص إلى أحد. [هذا] وقد كان يرعى أمته (1) ويسوسهم، ويقوم بشأنهم، ويدبر أمورهم، كما يسوس الرجل أطفاله، ويرعى أهله وعياله، ومنهم الضعفاء والأيتام، والعجائز والأطفال، الذين حاجتهم إلى سياسته، وحسن نظره ورعايته، أشد من حاجة الولد إلى والده، والعبد إلى سيده.
ثم إنه (صلى الله عليه وآله) خلف مع ذلك أهلا وأولادا، وأقارب وأزواجا، وأشياء يتنازع أهله وغيرهم [فيها] وأملاكا، وكان له حق في الخمس يحب أن يصرف إلى مستحقيه (2) [وغيرهم]، وكان عليه دين يتعين وفاءه عنه لأهله (3)، وعنده ودائع يلزم ردها إلى أربابها، وقد وعد جماعة بعدات يجب أن تقضى عنه بعده (4)، ولا يقضيها إلا وصيه، فنسبوه إلى تضييع ما حث على حفظه، والتفريط فيما أمر بالاحتياط في بابه، والزهد فيما رغب فيه أمته، وحاشا له من ذلك، بل كان (صلى الله عليه وآله) أفعل الخلق فيما (5) دعا إليه، وأسرع الناس إلى فعل ما رغب فيه، وأسبق العالمين إلى كل فضل، وأولاهم بشرائف الفعل.
ومن عجيب أمرهم: أنهم إذا طرقتهم الحجج الجلية في أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) لم يمض من الدنيا إلا عن وصية، وأنه أوصى [إلى] أمير المؤمنين [علي بن أبي طالب] (عليه السلام) دون سائر الأمة، وسمعوا تمدح أمير المؤمنين (عليه السلام) بذلك في كلامه وحجاجه لخصومه، وذكره [له] في خطبه على منبر رسول الله (صلى الله عليه وآله)، واحتجاج
صفحه ۳۴
أهل بيته (عليهم السلام) وشيعته من الأنصار بذلك في فضله، وما نظمه الشعراء فيه، وسارت [الركبان به]، مثل قول خزيمة بن ثابت ذي الشهادتين (رضي الله عنه) في أبيات يذكر فيها فضله [حيث يقول]:
وصي رسول الله من دون أهله * وفارسه مذ كان في سالف الزمن (1) وقوله حين بلغه عن عائشة كلام تعيب فيه أمير المؤمنين (عليه السلام):
أعائش خلي عن علي وعيبه (2) * بما ليس فيه إنما أنت والده وصي رسول الله من دون أهله * وأنت على ما كان من ذاك شاهده (3) وقول عبد الله بن أبي سفيان بن الحارث بن عبد المطلب (رحمه الله):
وإن (4) ولي الأمر بعد محمد * علي وفي كل المواطن صاحبه وصي رسول الله حقا وصهره * وأول من صلى ومن لان جانبه (5) وقول عبد الرحمن بن حنبل (6) الجمحي لما بايع أمير المؤمنين (عليه السلام):
لعمري لقد بايعتم ذا حفيظة * على الدين معروف العفاف موفقا (7)
صفحه ۳۵
عفيفا عن الفحشاء أبيض ماجدا * صدوقا وللمختار (1) قدما مصدقا أبا حسن فارضوا به وتبايعوا * فلن (2) تجدوا فيه لذي العيب منطقا علي وصي المصطفى وابن عمه (3) * وأول من صلى لذي العرش واتقى (4) وقول (5) زفر بن زيد (6) الأسدي:
فحوطوا عليا وانصروه فإنه * وصي وفي الإسلام أول أول (7) وإن تخذلوه والحوادث جمة * فليس لكم في الأرض من متحول (8) ونحو ذلك من الأقوال التي يطول بذكرها الكلام.
قالوا عند ذلك (9):
لسنا نجحد أن عليا (عليه السلام) وصي رسول الله (صلى الله عليه وآله)، ولا ننكر ما قد اشتهر من شهادة القوم بوصيته، ولكن النبي (صلى الله عليه وآله) إنما أوصى [إليه] بما كان [له] في
صفحه ۳۶
يديه (1) ويمتلكه ويحويه، ولم يوص إليه بأمر الأمة كلها، ولا تعدت وصيته إليه أمور تركته وأهله إلى غيرها، ثم [إنهم] يدعون بعد هذا (2) أن جميع ما خلفه صدقة، وأنه لا يورث كما يورث سواه (3) من الأمة، وأن (4) فدكا والعوالي صدقة ينظر فيها الخليفة الذي (5) تختاره الأمة، ولا يجوز أن تقبل فيها شهادة من تثبت (6) له الوصية، فليت شعري بماذا أوصى إذا كان جميع ما خلفه صدقة، ولم يكن أوصى (7) بحفظ الشريعة والقيام بأمر الأمة؟ فإن هذا مما يتحير فيه ذو البصيرة، والخبرة والمعرفة (8).
صفحه ۳۷
الفصل الثاني في أغلاطهم في النص ومن عجيب أمرهم: قولهم: إن رسول الله (صلى الله عليه وآله) كان إذا خرج من (1) المدينة استخلف عليها وعلى من [كان] فيها من يقوم بمصالحهم [بنهضته]، ويسير فيهم بعده بسيرته، إشفاقا من إهمالهم، وفرقا من فساد أحوالهم، وكراهة لاضطرابهم وتشتتهم (2)، وإيثارا لانتظام أمرهم ومصلحتهم، وإنما أهلها [بعض] من قلد القيام بأمره، وأمر بحسن النظر [له] في سياسته وتدبيره، هذا مع قرب المسافة بينه وبينهم، وسرعة عوده إليهم، ثم إنه عند خروجه من الدنيا بوفاته، وانقطاعه عن جميع أمته بفقده، وطمع أهل الكفر والنفاق فيهم، وتطلعهم إلى اختلاف كلمتهم، وتشتت شملهم، أهمل أمرهم، وترك الاستخلاف فيهم [، وحرمهم الألطاف] بالرئاسة عليهم، ولم يحسن النظر لهم بمتقدم يخلفه فيهم!
فأمعن (3) النظر في حياته في الأمر الصغير، وحرسه من التفريط، وأهمله بعد
صفحه ۳۸