التبصرة
التبصرة
ناشر
دار الكتب العلمية
ویراست
الأولى
سال انتشار
١٤٠٦ هـ - ١٩٨٦ م
محل انتشار
بيروت - لبنان
وَكَانَ مُولَعًا بِقِرَاءَةِ الْكُتُبِ وَكُلَّمَا مَرَّ بِذِكْرِ الْجَنَّةِ دَعَتْهُ نَفْسُهُ إِلَى أَنْ يَبْنِيَ مِثْلَهَا عُتُوًّا عَلَى اللَّهِ ﷿، فَأَمَّرَ عَلَى صَنْعَتِهَا مِائَةَ قَهْرَمَانٍ مَعَ كُلِّ قَهْرَمَانٍ أَلْفٌ مِنَ الأَعْوَانِ ثُمَّ قَالَ: انْطَلِقُوا إِلَى أَطْيَبِ فَلاةٍ فِي الأَرْضِ وَأَوْسَعِهَا فَاعْمَلُوا لِي مَدِينَةً مِنْ ذَهَبٍ وَفِضَّةٍ وَيَاقُوتٍ وَزَبَرْجَدٍ وَلُؤْلُؤٍ تَحْتَ تِلْكَ الْمَدِينَةِ أَعْمِدَةٌ مِنْ زَبَرْجَدٍ وَفَوْقَ الْقُصُورِ غُرَفٌ مِنْ فَوْقِ الْغُرَفِ غُرَفٌ وَاغْرِسُوا تَحْتَ تِلْكَ الْقُصُورِ فِي أَزِقَّتِهَا أَصْنَافَ الثِّمَارِ وَأَجْرَوْا تَحْتَهَا الأَنْهَارَ فَإِنِّي أَسْمَعُ فِي الْكُتُبِ صِفَةَ الْجَنَّةِ وَأَنَا أُحِبُّ أَنْ أَجْعَلَ مِثْلَهَا فِي الدُّنْيَا. فَقَالُوا: كَيْفَ نَقْدِرُ عَلَى مَا وَصَفْتَ لَنَا مِنَ الزَّبَرْجَدِ وَالْيَاقُوتِ وَالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ؟ قَالَ: أَلَسْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّ مُلْكَ الدُّنْيَا كُلِّهَا بِيَدِي؟ قَالُوا: بَلَى. قَالَ فَانْطَلِقُوا إِلَى مَعَادِنِ الزَّبَرْجَدِ وَالْيَاقُوتِ وَالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَخُذُوا مَا فِي أَيْدِي النَّاسِ مِنْ ذَلِكَ. وَكَتَبَ إِلَى كُلِّ مَلِكٍ فِي الدُّنْيَا يَأْمُرُهُ أَنْ يَجْمَعَ مَا فِي بِلادِهِ مِنْ جَوْهَرِهَا وَيَحْفِرُ مَعَادِنَهَا، فَجَمَعُوا ذَلِكَ فِي عَشْرِ سِنِينَ، وَكَانَ عَدَدُ الْمُلُوكِ مِائَتَيْنِ وَسِتِّينَ مَلِكًا وَخَرَجَ الْفَعَلَةُ فَتَبَدَّدُوا فِي الصَّحَارَى فَوَقَعُوا عَلَى صَحْرَاءَ عَظِيمَةٍ نَقِيَّةٍ مِنَ الْجِبَالِ وَالتِّلالِ فَإِذَا هُمْ بِعُيُونٍ مُطَّرِدَةٍ فَقَالُوا: صِفَةُ الَّتِي أُمِرْنَا بِهَا، فَأَخَذُوا بِقَدْرِ الَّذِي أَمَرَهُمْ مِنَ الطُّولِ وَالْعَرْضِ وَأَجْرَوْا قَنَوَاتِ الأَنْهَارِ وَوَضَعُوا الأَسَاسَ وَأَرَسْلَتْ إِلَيْهِمُ الْمُلُوكُ بِالزَّبَرْجَدِ وَالْيَاقُوتِ وَالذَّهَبِ والفضة واللؤلؤ والجوهر وأقاموا في ذلك ثلاثمائة سنة، وكان عمر شداد تسعمائة سَنَةٍ فَلَمَّا أَتَوْهُ فَأَخْبَرُوهُ بِفَرَاغِهِمْ مِنْهَا قَالَ: انطلقوا فاجعلوا عليها حِصْنًا وَاجْعَلُوا حَوْلَ الْحِصْنِ أَلْفَ قَصْرٍ عِنْدَ كُلِّ قَصْرٍ أَلْفُ عَلَمٍ يَكُونُ فِي كُلِّ قَصْرٍ وَزِيرٌ مِنْ وُزَرَائِي. فَفَعَلُوا ثُمَّ أَخْبَرُوهُ فَأَمَرَ أَلْفَ وَزِيرٍ مِنْ خَاصَّتِهِ وَمَنْ يَثِقُ به أن يتهيأوا لِلنُّقْلَةِ إِلَى إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ وَأَمَرَ مَنْ أَرَادَ مِنْ نِسَائِهِ وَخَدَمِهِ بِالْجَهَازِ فَأَقَامُوا فِي جَهَازِهِمْ عَشْرَ سِنِينَ ثُمَّ سَارَ بِمَنْ أَرَادَ فَلَمَّا بَلَغَ إِلَى مَسِيرَةِ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ بَعَثَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى
أَصْحَابِهِ وَعَلَى مَنْ كَانَ مَعَهُ صَيْحَةً مِنَ السَّمَاءِ فَأَهْلَكَتْهُمْ جَمِيعًا وَلَمْ يَدْخُلْ إِرَمَ وَلا أَحَدٌ مِمَّنْ كَانَ مَعَهُ وَلَمْ يُقْدَرْ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ حَتَّى السَّاعَةِ.
وَرَوَى الشَّعْبِيُّ عَنْ دَغْفَلٍ الشَّيْبَانِيِّ عَنْ عُلَمَاءِ حِمْيَرَ قَالُوا: لَمَّا هَلَكَ شَدَّادُ بْنُ عَادٍ
2 / 130