ولكن اسپينوزا كان قد تخلى بطبيعة الحال عن عقيدته اليهودية منذ عهد بعيد، ولم يكن يحفل كثيرا بمثل هذه الآراء طالما أنها تتعارض مع تفكيره ومنطقه العقلي.
ولا يقف الأمر عند هذا الحد؛ فهو لا يكتفي بأن يقول إن السلوك القويم يؤدي إلى تحقيق الغاية المقصودة من الدين سواء أكانت أسسه دينية أم غير دينية، بل إنه يمضي خطوة أبعد من ذلك، فيقول إن العقائد تفيد في تقويم سلوك العامة وحدهم. أما الخاصة؛ أي أصحاب العقول المفكرة، ففي وسعهم الاستغناء عنها تماما، بل لا مفر لهم من أن يستغنوا عنها إذا ما فكروا فيها بالمنطق الدقيق.
وتظهر هذه التفرقة بين حاجات العامة والخاصة من الناس بصورة ضمنية فيما رواه «كوليروس» عن اسپينوزا من أنه كان ينصح الأطفال بالذهاب إلى الكنيسة، وبإطاعة آبائهم، وأنه عندما سألته صاحبة داره إن كان يعتقد أن العقيدة التي تؤمن بها ستجلب لها الخلاص، أجاب: «إن عقيدتك عقيدة طيبة، ولست بحاجة إلى البحث عن غيرها، أو إلى الشك في أنها ستؤدي إلى خلاصك، على شرط أن يقترن اعتصامك بالتقوى بالعيش في سلام واطمئنان.» فهذه الرواية تكشف عن عدم اهتمام اسپينوزا بنوع العقيدة التي يؤمن بها الناس طالما أنها تؤدي إلى عيشهم في اطمئنان - فضلا عن أن موافقته على ترك العامة يؤمنون بعقائدهم كما هي تعني ضمنا أنه يرى لهذه العقائد وظيفة نافعة بالنسبة إلى عقول هؤلاء العامة ومستواهم الفكري.
وقد أوضح اسپينوزا صراحة رأيه هذا في التفرقة بين ما يحتاج إليه العامة والخاصة، وأكد أن الكتابات الدينية المفصلة لا ترضي إلا العامة، بينما يستطيع المفكر أن يستغني عنها، ويصل مع ذلك إلى مرتبة لا يصل إليها المتدينون من العوام.
32
بل لقد أخذ يضرب أمثلة عديدة لأخطاء في المعرفة وقع فيها أنبياء اليهود، ومن بينهم موسى ذاته
33 - وهي أخطاء قد يقبلها العوام راضين ولكن المفكرين لا يستطيعون أن يقبلوها دون نقد.
والرأي الحقيقي الذي يؤمن به اسپينوزا في هذا الصدد هو الرأي القائل إننا إذا شئنا أن نهتدي إلى دليل على القدرة الإلهية، وأن نكون متسقين مع أنفسنا في الوقت ذاته، فلدينا في عقلنا البشري نفسه أعظم دليل. فليس ثمة داع لافتراض معرفة غير مألوفة، خارجة على قوانين الطبيعة، لتكون هي مظهر هذه القدرة الإلهية. بل إن عقلنا ذاته معجزة، وكفاحنا من أجل فهم الطبيعة والسيطرة عليها معجزة، ولا معنى - في نظره - لافتراض معجزات ونبوءات تتحدى العقل وتخرج عن نطاق الطبيعة من أجل إثبات هذه القدرة.
ومع ذلك فإن العامة، الذين لا يدركون إعجاز العقل لأنهم لا يعرفون كيف يمارسونه على النحو الصحيح، ينبغي أن يخاطبوا بلغتهم الخاصة. وهكذا فإن النص الديني - كما قال اسپينوزا في رسالته رقم 19 إلى «بلينبرح» «لما كان يخاطب عامة الناس في المحل الأول، فإنه يستخدم على الدوام لغة كلها تشبيه بما يحدث في عالم الإنسان؛ فالعامة عاجزون عن إدراك الحقائق العميقة؛ ولهذا السبب كانت الأوامر التي أوحي بها إلى الأنبياء، من حيث هي لازمة للخلاص، توضع في صورة قوانين. ولهذا أيضا ابتدع الأنبياء شتى أنواع المجازات؛ فهم أولا قد عرضوا الوسائل المؤدية إلى الخلاص أو إلى الهلاك، والتي أوحى بها الله - وهو علتها - كما لو كانت صادرة عن إرادة شبيهة بإرادة ملك أو مشرع ... وصوروا الخلاص والهلاك على أنهما ثواب أو عقاب، بينما هما نتيجتان ضروريتان لهذه الوسائل (التي أسموها بالقوانين). وهم أخيرا قد صاغوا كلماتهم في صورة أقاصيص لا حقائق. وكثيرا ما صوروا الله منفعلا كالبشر، أو نسبوا إليه الإحساس بالغضب أو الشفقة، أو تمني حادث مقبل، أو الغيرة والريبة. بل لقد ذهبوا إلى حد جعل الشيطان يضلله! ومع ذلك فلا شك في أن الفلاسفة، وكل من ارتفعوا فوق مرتبة القانون؛ أي كل من يمارسون السلوك الخير لا بدافع الطاعة وإنما بدافع الحب لأنه هو الخير الاسمى، يعرفون الاستخدام المألوف لهذه اللغة القائمة على التشبيه بالإنسان.»
34
صفحه نامشخص