وتختلف الأقوال في سن السيدة عائشة يوم زفت إلى النبي - عليه السلام - في السنة الثانية للهجرة، فيحسبها بعضهم تسعا، ويرفعها بعضهم فوق ذلك بضع سنوات.
وهو اختلاف لا غرابة فيه بين قوم لم يتعودوا تسجيل المواليد؛ إذ قلما يسمع بإنسان - رجلا كان أو امرأة - في ذلك العصر إلا ذكر له تاريخان أو ثلاثة لميلاده أو زواجه أو وفاته، وقد يبلغ الاختلاف بين تاريخ وتاريخ في تراجم المشهورين فضلا عن الخاملين عشر سنين.
والأرجح عندنا أن السيدة عائشة كانت لا تقل عند زفافها إلى النبي - عليه السلام - عن الثانية عشرة، ولا تتجاوز الخامسة عشرة بكثير.
فقد جاء في بعض المواضع من طبقات ابن سعد أنها خطبت وهي في التاسعة أو السابعة، ولم يتم الزفاف كما هو معلوم إلا بعد فترة بلغت خمس سنوات في أشهر الأقوال.
ويؤيد هذا الترجيح أن السيدة خولة اقترحتها على النبي وهي في السن المناسبة للزواج على أقرب التقديرات إلى القبول؛ إذ لا يعقل أنها تشفق من حالة الوحدة التي دعتها إلى اقتراح الزواج على النبي وهي تريد له أن يبقى في تلك الحالة أربع سنوات أو خمس سنوات أخرى.
ويؤيد هذا الترجيح - من غير هذا الجانب - أن السيدة عائشة كانت مخطوبة قبل خطبتها إلى النبي، وأن خطبة النبي كانت في نحو السنة العاشرة للدعوة.
فإما أن تكون قد خطبت لجبير بن مطعم؛ لأنها بلغت سن الخطبة، وهي قرابة التاسعة أو العاشرة ، وبعيد جدا أن تنعقد الخطبة على هذا التقدير مع افتراق الدين بين الأسرتين.
وإما أن تكون قد وعدت لخطيبها وهي وليدة صغيرة كما يتفق أحيانا بين الأسر المتآلفة، وحينئذ يكون أبو بكر مسلما عند ذلك، ويستبعد جدا أن يعد بها فتى على دين الجاهلية قبل أن تتفق الأسرتان على الإسلام.
فإذا كان أبو بكر - رضي الله عنه - قد وعد بها ذلك الموعد قبل إسلامه، فمعنى ذلك أنها ولدت قبيل الدعوة، وكانت تناهز العاشرة يوم جرى حديث زواجها وخطبها النبي عليه السلام.
ولهذا نرجح أنها كانت بين الثانية عشرة والخامسة عشرة يوم زفت إليه، وأنها هي - رضي الله عنها - كانت تسمع تقديرات سنها ممن كان حولها؛ لأنها لم تقرأها بداهة في وثيقة مكتوبة، فكان يعجبها - على سنة الأنوثة الخالدة - أن تأخذ بأصغرها، وكانت هي كثيرا ما تدل بالصغر بين أترابها فلا تنسى إذا اقتضى الحديث ذلك أن تقول: وكنت يومئذ جارية حديثة السن، أو كنت يومئذ صغيرة لا أحفظ شيئا من القرآن، إلى أشباه ذلك من أحاديثها في هذا المعنى.
صفحه نامشخص