المنطق
المنطق
وأما التي من أخذ المقدمات الكثيرة كمقدمة واحدة، فالسبب فيه أنه يجب أن يكون في كل ما يصدق به محمول واحد على موضوع واحد. وكذلك ما يجري الخطيب قد يقتدر على استعمال إقناع في أمر غير الأمور المفردة. وكما أن ذلك لم يكن طبيبا إلا لأنه يعالج الإنسان، وغير ذلك له بالعرض، كذلك ليس هذا خطيبا إلا لأنه يقنع في الأمور المفردة الجزئية، وغير ذلك فله العرض. ونقول: إن التصديقات الخطابية قد تكون صناعية، وقد تكون من غير صناعة. والتي ليست بصناعة، ليست تكون بحيلة منا، بل لوجود الأمر الذي يدعو إليه، وليس ذلك من صنعنا وتلطفنا، مثل الشهود والتقريرات بالعذاب وغير ذلك. وأما التي بالصناعة وما يحتال فيه بالكلام، فكله، إذا اعتبر من حيث الملكة والصناعة، فإنما يكون من فكرة أنفسنا وباحتيالنا. فنحن نستنبط المواضع والأنواع الخطابية وتعلم ترتيب القياس الخطابي وما يتعلق به، لا كالشهود وما أشبههم، فليس إلينا الإقناع بهم، وإيقاع التصديق عنهم والاحتيال فيه. هذا من جهة الأصل. وأما إذا اعتبرناها من حيث الاستعمال، فبضعها قد تكون معدة لنا من قبل، وهي المقدمات التي تسمى في هذا الكتاب مواضع: فهي مقدمات من شأنها أن تصير أجزاء قياس بالقوة أو بالفعل. فإذا كانت معدة لنا، استعملناها كما هي، وإن كنا من قبل لقد استنبطناها بحيلتنا، ثم أعددناها. وبعضها لا تكون معدة لنا كما هي بل يكون المعد فيها أصولا وقوانين، إذا علمناها، استخرجنا منها وقت المحاورة مقدمات خطابية. وتلك القوانين تسمى في هذا الكتاب أنواعا. ولا نزال نتوصل من نتيجة إلى نتيجة مستمرين على طريق الاستدراج إلى حصول الغرض. ومثال ذلك: أنا إذا كان قد تيسر لنا عند تحصيل هذه القوة كيف ننقل الحكم من ضد إلى ضد على سبيل الإقناع، ثم خاطبنا مشيرين فقلنا: إن كان زيد الذي هو عدوك قد استوجب إساءتك إليه، فعمرو الذي هو صديقك قد استوجب إحسانك إليه، كنا قد استخرجنا هذا من قانون عندنا، ولم يكن هذا بعينه معدا لنا.
والتصديقات الصناعية التي يحتال لها بالكلام، ويكون ذلك الكلام لطباعه مقنعا، لا لوضع أو شرع، هي ثلثة أصناف: أحدها العمود الذي يسمى تثبيتا في هذا الكتاب؛ والثاني كيفية المتكلم عند تأديته الكلام في سمته، كما يتفق أن يكون للمتكلم سمت صالح متخشع فاضل، أو سمت صادق جاد متأن أو خلاف ذلك، ويكون له لطف في تأديته، كما علمت؛ والثالث استدراج السامعين. وهذا الذي هو عمود وتنبت فإنه قد يكون نحو الغرض نفسه، وقد يكون نحو تقرير شيء من الأبواب الأخر، فيكون عمودا وتثبيتا في ذلك الباب، كما يبين المرء فضيلة نفسه أو خسيسة خصمه أو يبين وجوب الرحمة عليه، فهذا يدخل في القسم الأول. غير أن سمت القائل في أكثر الأمر إنما يعني في المحاورات التي تكون في أمور وقعت، كما يكون في الشكاية والاعتذار، وكما يكون في المدح والذم. وأما إذا حاول إقناعا في أمر ممكن مستقبل، فنفس سمته وصلاحه لا يدل وبالحرى ما خص هذا الجهل والعجز بالألفاظ أولا، وإن شاركها المعنى في ذلك؛ فإن الألفاظ أكثر تضليلا من المعاني، ولذلك ما يقع الغلط في المحاورة أكثر منها في الفكرة. والتضليل اللفظي يقع من جهة المخاطبة أكثر منه عند الفكرة، لأن السماع اللفظي أدخل في المحاورة، واستلاخة المعنى أدخل في الفكرة؛ على أنه قد يقع عند الفكرة أيضا، فإن الفكرة قد تقع بألفاظ متخيلة لا محالة.
صفحه ۱۵۴