408

أما البينات بأنفسها، فلا يمكن في ذلك بيانها في ذلك العلم ولا في علم آخر. وأما ما ليس بينا بنفسه فإنما يمكن بيانه في علم آخر، وخصوصا في علم أعلى. ومبادئ العلم الأعم الذي سائر العلوم تحته جلها بينة بنفسها، وبعضها مأخوذة من علوم جزئية تحتها على ما قلنا، وذلك قليل. وأما موضوع الصناعة فقد يجب أن يصدق به وأن يتصور جميعا؛ فما كان منه ظاهر الوجود خفي الحد مثل الجسم الطبيعي لم يوضع وجوده في العلم، بل اشتغل بأن يوضع حده فقط. وما كان خفي الوجود والحد معا مثل العدد والواحد والنقطة، فإنهم يضعون وجوده أيضا. ووضع وجوده هو من جملة مبادئ الصناعة التي تسمى أصولا موضوعة، لأنه مقدمة مشكوك فيها، مبنى عليها الصناعة. وإن كانت ظاهرة الأمرين جميعا كان تكلف وضع الأمرين فضلا.

وربما وضعوا الحدود فقط في الشيء الذي هو خفي الوجود والحد جميعا، إذ قد يفهم من ذلك أن الشيء موجود وان الحد ليس بحسب الاسم بل بحسب الذات : كقولهم في فاتحة علوم الهندسة إن النقطة شيء لا جزء له.

وأما المحمولات الذاتية من العوارض في هذه الموضوعات فإنها هي المطلوبة كما قلنا مرارا، فلا يمكن أن يوضع وجودها على سبيل أصل موضوع أو مصادرة، ولا على سبيل البيان قبل البرهان عليها. إنما توضع في فاتحة الصناعة حدودها إن كانت خفية الحدود. وأما إن كانت ظاهرة الماهية مثل المساواة والزائد والناقص وما أشبه ذلك في علم الهندسة، فربما لم يتكلف وضع ذلك. بل إنما يوضع حد مثل الوحدة والمستقيم والمثلث والأصم والمنطق في الهندسة، والزوج والفرد والمربع والمستدير في الحساب. فهذا القسم إنما توضع فيه الحدود فقط.

وأما المبادئ، فيجب أن تكون قد علمت من طريق الهلية وهو التصديق، حتى يمكن أن يعلم بها هلية شيء آخر، إما تصديقا حقيقيا، أو تصديقا وضعيا. ولابد من تصورها وإلا لم يمكن التصديق بها؛ فيجب أن تكون موضوعة الإنية في نفسها، وموضوعة ماهية الأجزاء في فاتحة الصناعة، إلا أن يستغني لفرط الشهرة والوضوح عن ذلك. وغن كانت أعم من الصناعة خصصت بالصناعة على نحو ما قيل.

فإذن الموضوعات إن احتيج إلى التنبيه على وجودها وضعت وضعا ولا برهان عليها في الصناعة، بل على عوارضها الذاتية. وأما العوارض الذاتية فتحد حدا فقط إن احتيج إليه، ولا توضع موجودة إلا عند الفراغ عن إقامة البرهان في مسألة مسألة ليستبين منه إنها موجودة لموضوع أو مسلوبة عن موضوع.

والمبادئ التي ليست أصولا موضوعة وليست مصادرات فإن وضعها من التكلف، مثل أن النقيضين لا يجتمعان وما أشبه ذلك. وإن نازع فيها فلا تنقلب بذلك أصلا موضوعا أو مصادرة، لأن تلك المنازعة باللسان دون العقل، وبالقول الخارج دون القول الداخل.وإنما القياس الذي يتكلف أحيانا في تصحيح شيء من ذلك أو تبكيت مخالفة فيه من السوفسطائية، فإن ذلك كله نحو القول الداخل لا الخارج، وعلى ما عرف فيما سلف ويعرف فيما يستأنف.

وأما المبادئ التي قد يشك فيها، فلابد من أن يوضع وجودها وتفهم ماهية أجزائها إن لم تكن بينة تصور الأجزاء.

صفحه ۴۶۵