400

وغاية السوفسطائية الترائي بالحكمة والقهر بالباطل. واعلم أن اختلاف العلوم في موضوع واحد يكون علة وجهين : فإنه إما أن يكون أحد العلمين ينظر في الموضوع على الإطلاق والآخر في الموضوع من جهة ما مل ما أن " الإنسان " قد ينظر فيه جزء من العلم الطبيعي على الإطلاق وقد ينظر فيه الطب - وهو علم تحت العلم الطبيعي ولكن لا على الإطلاق، بل إنما ينظر فيه من جهة أنه يصح ويمرض.وإما أن يكون كل واحد من العلمين ينظر فيه من جهة دون الجهة التي ينظر الآخر فيها، مثل أن جسم العالم أو جرم الفلك ينظر فيه المنجم والطبيعي جميعا. ولكن جسم الكل هو موضوع للعلم الطبيعي بشرط " وذلك الشرط هو أن له مبدأ حركة وسكون بالذات. وينظر فيه المنجم بشرط : وذلك الشرط أن له كما وأنهما وان اشتركا في البحث عن كرية فلك الجسم. فهذا يجعل نظره من جهة ما هو كم وله أحوال تلحق الكم. وذلك يجعل نظره من جهة ما هو ذو طبيعة بسيطة هي مبدأ حركته وسكونه علة هيئته. ولا يجوز أن تكون هيئته التي يسكن عليها السكون المقابل للفساد والاستحالة هيئة مختلفة في أجزائه، فتكون في بعه زاوية ولا تكون في بعضه زاوية : لأن القوة الواحدة في مادة واحدة تفعل صورة متشابهة. وأما المهندس فيقول إن الفلك كرى لأن مناظره كذا والخطوط الخارجة إليه توجب كذا. فيكون الطبيعي إنما ينظر من جهة القوى التي فيه. والمهندس من جهة الكم الذي له. فيتفق في بعض المسائل أن يتفقا لأن الموضوع واحد. وفي الأكثر يختلفان.

ونقول من رأس إن العلوم المشتركة إما أن تشترك في المبادئ وإما أن تشترك في الموضوعات وإما في المسائل. والمشتركة في المبادئ فلسنا نعني بها المشتركة في المبادئ العامة لكل علم، بل المشتركة في المبادئ التي تعم علوما ما مثل العلوم الرياضية المشتركة في ان الأشياء المساوية لشيء واحد متساوية.

وتلك الشركة إما أن تكون على مرتبة واحدة كالهندسة والعدد في المبدأ الذي ذكرناه. وإما أن يكون المبدأ للواحد منهما أولا وللثاني بعده، مثل أن الهندسة وعلم المناظر، بل الحساب وعلم الموسيقى، يشتركان في هذا المبدأ. لكن الهندسة أعم موضوعا من علم المناظر. فلذلك يكون لها هذا المبدأ أولا. وبعدها للمناظر. وكذلك حال الحساب من الموسيقى. وإما أن يكون ما هو مبدأ في علم مسألة في علم آخر وهذا على وجهين : إما أن يكون العلمان مختلفي الموضوعين بالعموم والخصوص فيبين شيء في علم أعلى ويؤخذ مبدأ في علم أسفل، وهذا يكون مبدأ حقيقيا. أو يبين شيء في علم أسفل ويؤخذ مبدأ للعلم الأعلى، وهذا يكون مبدأ بالقياس إلينا. وإما أن يكون العلمان غير مختلفين في العموم والخصوص، بل هما مثل الحساب والهندسة، فتجعل مسائل أحدهما مبادئ لمسائل الآخر : فإن كثيرا من مبادئ المقالة العاشرة من " كتاب الاسطقسات " عددية قد تبرهن عليها قبل في المقالات العددية. وهذا لا يمكن إذا لم يكن بين العلمين شركة في موضوع أو في جنس موضوع.

وأما الشركة في المسائل فهي أن يكون المطلوب فيهما جميعا محمولا لموضوع واحد، وإلا فلا شركة. وهذا أيضا لا يمكن أن يكون إلا مع اشتراك العلمين في الموضوع.

فإذن الشركة الأولية الأصلية التي للعلوم هي على موجب القسم الثالث، وهو الشركة في الموضوع على وجه من الوجوه المذكورة. وهي ثلاثة : إما أن يكون أحد الموضوعين أعم والآخر أخص كالطب والعلم الطبيعي؛ والهندسة والمخروطات، وسائر أشبه ذلك. وإما أن يكون لكل واحد من موضوعي علمين شيء خاص وشيء يشارك فيه الآخر كالطب والأخلاق. وإما أن يكون ذات الموضوع فيهما واحدا، ولكن أخذ باعتبارين مختلفين فصار باعتبار موضوعا لهذا وباعتبار موضوعا لذلك. كما أن جسم السماء والعالم موضوع لعلم الهيئة وللعلم الطبيعي.

وإذا تكلمنا في مشاركة العلوم في الموضوعات والمبادي والمسائل، فيجب أن نتكلم في نقل البرهان.

الفصل الثامن في نقل البرهان من علم إلى علم وتناوله للجزئيات تحت الكليات وكذلك تناول الحد

صفحه ۴۵۷