المنطق
المنطق
ولأنا قد وضعنا أن من مبادئ العلوم ما ليس بينا بنفسه، فيجب أن يبين في عم آخر إما جزئي مثله أو أعم منه فننتهي لا محالة إلى أعم العلوم. فيجيب أن تكون مبادئ سائر العلوم تصح ف هذا العلم. فلذلك يكون كأن جميع العلوم تبرهن على قضايا شرطية متصلة : مثلا إنه إن كانت الدائرة موجودة فالمثلث الفلاني كذا، أو المثلث الفلاني موجود. فإذا صير إلى الفلسفة الأولى يبين وجود المقدم فيبرهن أن المبدأ كالدائرة مثلا موجود. فحينئذ يتم برهان أن ما يتلوه موجود. فكأن ليس علم من الجزئية لم يبرهن على غير شرطي. والصناعات المشتركة في موضوع هذا العلم ثلاثة : الفلسفة الأولى والجدل والسوفسطائية. والفلسفة الأولى تفارق الجدل والسوفسطائية في الموضوع وفي مبدأ النظر، وفي غاية النظر : أما في الموضوع فلأن الفلسفة الأولى إنما تنظر في العوارض الذاتية للموجود والواحد ومبادئهما ولا تنظر في العوارض الذاتية لموضوعات علم علم من العلوم الجزئية. والجدل والسوفسطائية ينظران في عوارض كل موضوع - كان ذاتيا أو غير ذاتي - ولا يقتصر ولا واحد منهما على عوارض الواحد والموجود.
فالفلسفة الأولى أعم من العلوم الجزئية لعموم موضوعها. وهما أعم نظرا من العلوم الجزئية لنهما يتكلمان علة كل موضوع كلاما مستقيما كان أو معرجا، لكل بحسب صناعته.
وقد تفارقهما من جهة المبدأ : لأن الفلسفة الأولى إنما تأخذ مبادئها من المقدمات البرهانية اليقينية. وأما الجدل فمبدؤه من المقدمات الذائعة المشهورة في الحقيقة. وأما السوفسطائية فمبدؤه من المقدمات المشبهة بالذائعة أو اليقينية من غير أن تكون كذلك في الحقيقة.
وقد تفارقهما من جهة : لأن الغاية في الفلسفة الأولى إصابة الحق اليقين بحسب مقدور الإنسان. وغاية الجدل الارتياض في الإثبات والنفي المشهور تدرجا إلى البرهان ونفعا للمدينة. وربما كانت غايتها الغلبة بالعدل. وذلك العدل ربما كان بحسب المعاملة وربما كان بحسب النفع، وأما الذي بحسب المعاملة فإن يكون الإلزام واجبا مما يتسلم، وإن لم يكن اللازم حقا ولا صوابا. وأما الذي بحسب النفع فربما كان بالحق وربما كان بالصواب المحمود.
وغاية السوفسطائية الترائي بالحكمة والقهر بالباطل.
واعلم أن اختلاف العلوم في موضوع واحد يكون علة وجهين : فإنه إما أن يكون أحد العلمين ينظر في الموضوع على الإطلاق والآخر في الموضوع من جهة ما مل ما أن " الإنسان " قد ينظر فيه جزء من العلم الطبيعي على الإطلاق وقد ينظر فيه الطب - وهو علم تحت العلم الطبيعي ولكن لا على الإطلاق، بل إنما ينظر فيه من جهة أنه يصح ويمرض.وإما أن يكون كل واحد من العلمين ينظر فيه من جهة دون الجهة التي ينظر الآخر فيها، مثل أن جسم العالم أو جرم الفلك ينظر فيه المنجم والطبيعي جميعا. ولكن جسم الكل هو موضوع للعلم الطبيعي بشرط " وذلك الشرط هو أن له مبدأ حركة وسكون بالذات. وينظر فيه المنجم بشرط : وذلك الشرط أن له كما وأنهما وان اشتركا في البحث عن كرية فلك الجسم. فهذا يجعل نظره من جهة ما هو كم وله أحوال تلحق الكم. وذلك يجعل نظره من جهة ما هو ذو طبيعة بسيطة هي مبدأ حركته وسكونه علة هيئته. ولا يجوز أن تكون هيئته التي يسكن عليها السكون المقابل للفساد والاستحالة هيئة مختلفة في أجزائه، فتكون في بعه زاوية ولا تكون في بعضه زاوية : لأن القوة الواحدة في مادة واحدة تفعل صورة متشابهة. وأما المهندس فيقول إن الفلك كرى لأن مناظره كذا والخطوط الخارجة إليه توجب كذا. فيكون الطبيعي إنما ينظر من جهة القوى التي فيه. والمهندس من جهة الكم الذي له. فيتفق في بعض المسائل أن يتفقا لأن الموضوع واحد. وفي الأكثر يختلفان.
صفحه ۴۴۶