379

قيل في التعليم إنا ربما أعطينا الكلى الأولى ويظن بنا أنا لم نعطه، وكثيرا ما لم نعطه فيظن بنا أنا أعطيناه. والأسباب في ثلاثة أمور، واحد منها هو سبب لما يكون قد أعطينا ويظن أنا لم نعط، مثل قولنا إن الشمس تتحرك في فلك خارج المركز حركة كذا، وإن القمر يتحرك في فلك تدويره إلى المغرب حركة كذا، وإن الأرض في وسط الكل. فإن هذه العوارض تكون مقولة على الكل أولية ويظن أنها ليست كلية بشرط هذا الكتاب.

والسبب في ذلك أن هذه الأشياء في الوجود مفردة وطبائعها غير مشترك فيها ولا مقولة على كثير في الوجود، فيظن أن محمولاتها وإن كانت مثلا أولية فليست بكلية، وليس المر كذلك. فإن قولنا " شمس " وقولنا " هذه الشمس " مختلفان. وذلك لأن قولنا " الشمس " يدل على طبيعة ما وجوهرها. وقولنا " هذه الشمس " فإنما يدل على اختصاص من تلك الطبيعة بواحد بعينه. ثم كل برهان نبرهن به على الشمس فلسنا نبرهن عليها من جهة ما هي هذه الشمس ؛ حتى لو كانت طبيعة الشمس مقولة على غير هذه الشمس، كان البرهان مما لم يقم عليه، بل مجرد طبيعة الشمس من غير اعتبار خصوص ولا عموم. فنبرهن عليها بشيء أو نحكم عليها بشيء لو كانت تلك الطبيعة مقولة على ألف شخص شمسي لكان الحكم والبرهان متناولا للجميع.

والطبيعة الكلية يقال لها كلية بوجوه ثلاثة. فيقال " كلية " من جهة ما هي في الوجود مقولة بالفعل على كثيرين، وليست الأحكام العقلية تقال عن الكليات من جهة ما هي كلية بهذا الشرط. ويقال " كلية " من جهة ما هي محتملة لأن تقال في الوجود على كثيرين، وإن اتفق أن قيلت في الحال على واحد مثل بيت مسبع، وكما يحكى من أمر طائر يقال له ققنس حتى يقال إنه يكون في العالم واحد فإذا بطل حدث من جيفته أو رماد جيفته مثله آخر. ويقال " كلية " لما ليس له في الوجود بالفعل عموم ولا أيضا له في الوجود إمكان عموم، ولكن لأن مجرد تصور العقل له لا يمنع أن يكون فيه شركة، وإن منع وجود الشركة فيه أمر ومعنى آخر ينضم إليه ويدل على أنه لا يوجد إلا واحدا أبدا. وأما نفس الطبيعة فلا يكون تصورها وتصور أنها واحدة بالعدد شيئا واحدا، بل تصورها شيء غير مانع وحده عن أن تقال في العقل على كثيرين. ولكن معنى آخر وراء تصوره هو الذي يمنع العقل عن تجويز ذلك.

والجزئي المقابل له فهو الذي نفس معناه وتصوره تصور فرد من العدد كتوهمنا ذات زيد بما هو زيد. ولا يمكن أن تكون هوية زيد، بما هو زيد، لا في الوجود ولا في التوهم - فضلا عن العقل - أمرا مشتركا فيه.

فالطبائع الكلية تقال على هذه الوجوه الثلاثة. وكان الأخير منها يعم الأولين. وهو أن العقل لا يمنع أن يكون المتصور منها مشتركا أو ينضم إلى تصوره معنى آخر. وليس هذا الطبيعة كالحيوانية، بل الطبيعة مقرونا بها هذا الاعتبار، وهو أزيد من الطبيعة وحدها بلا اعتبار زيادة. وإنما يشترط هذا وينبه عليه حتى لا يظن أن هذا الاعتبار ليس اعتبار الكلية الذي هو اعتبار غير اعتبار الطبيعة؛ بل هو اعتبار طبيعة الشيء فقط.

صفحه ۴۳۶