377

والجنس أولى غير خاص. وأما المحمولات التي هي أعراض ذاتية فمنها أولية خاصة كحال زوايا المثلث للمثلث، ومنها أولية غير خاصة مثل كون الزاويتين اللتين من جهة واحدة مساويتين لقائمتين : فإنه أولى للخط الواقع على خطين المصير زاويتيهما المتبادلتين متساويتين، وللخط الواقع على خطين المصير الزاوية الخارجة كالدالة المقابلة؛ ولكن ليس بخاص لأحدهما. وهذا الخط وإن كان واحدا بالذات فهو اثنان بالمعنى والاعتبار. فغن صعب عليك تصور هذه الاثنينية فخذ بدلهما الخط الواقع على خطين، الجاعل زاويتي جهة واحدة متساويتين، والآخر الجاعل مختلفتين، لكن المتبادلتين متساويتان.ولا يقبل قول من يظن أن جنس الفصل، إذا لم يكن جنسا، وفصله، أوليان للنوع. وعسى أنهم قالوا هذا في الفصول المساوية. واعلم أنه قد يكون البرهان أولا على ما ليس بحمل أولي : فإن الأوسط إذا كان أعم من الأصغر في القياس الكلى وحمل عليه الأكبر، فإن الأكبر لا يكون حمله على الأصغر أولا، بل يكون البرهان عليه أول برهان، لكنه على جزئيات الأصغر برهان ثان. وقد يجتمع الأمران جميعا، كالبرهان على المثلث المثبت كون زواياه مساوية لقائمتين. وهذا حيث يكون الأوسط مساويا للأصغر سواء كان الأكبر مساويا للأوسط كما في هذا المثال، أو أعم منه. لكنه ليس يقال على ما هو أعم منه كما قد علمت.

والأعراض الذاتية قد تكون خاصة مثل مساواة الثلاث لقائمتين فإنه ذاتي للمثلث ومساو له؛ وقد يكون غير خاص وذاتيا، وذلك مثل الزوج فإنه عرض ذاتي لمضروب الفرد في الزوج، ولكن غير خاص. أما أنه غير خاص فهو ظاهر. وأما أنه ذاتي فلأن العدد - وهو جنس - موضوعه يؤخذ في حده. والعرض الذاتي الخاص قد يكون مساويا، وقد يكون أنقص من لاشيء على الإطلاق. وإما المساوي فمثل مساواة الثلاث لقائمتين فإنه مساو للمثلث. وأما الأنقص فمثل الزوج للعدد.

وأما العرض الخاص فيكون : إما الخاص على الإطلاق مثل ما مثلنا به قبل، وأما أخص من وجه واعم من وجه مثل المساواة : فإنه من الأعراض الذاتية للعدد لأن جنس العدد يؤخذ في حده وهو الكم. ولكنه أخص من العدد من وجه، لأنه يوجد في بعض العدد، وأعم منه من وجه لأنه يوجد فيما يوجد فيما ليس بعدد كالمقادير. وما كان من الأعراض الذاتية على هذه الجهة وكان متقابلا فإنه يقسم موضوعه كالعدد هاهنا، وأنواع أخر كالخط والعظم والزمان وما أشبه ذلك.

ومن موضوعات الأعراض الذاتية ما هي بالحقيقة أنواع أو أجناس متوسطة أو عالية مثل الإنسان لأعراضه الذاتية، مثل الحيوان والجسم والكم : فإن لكل واحد منها أعراضا ذاتية على ما قلنا. ومنها ما يشبه أجناسا وأنواعا وليست، وهي المعاني التي تقال على كثير ولكن لا بالسوية، وهي لوازم غير داخلة في ماهية الأشياء الداخلة في المقولات مثل الوجود والوحدة، وهما شبيهان من جهة للأجناس العالية. ويعرض لها عوارض ذاتية يبحث عنها في ما بعد الطبيعة مثل القوة والفعل، والعلة والمعلول، والواجب والممكن. وقد تكون أيضا لأمور أخص من الواحد والموجود وكالأنواع لها.

هذا : ونعود فنقول : قد كنا بينا أن المساواة واللا مساواة عرضان ذاتيان للعدد، وكنا بينا أنهما غير خاصتين بالعدد. ثم كل عدد فإما أن يكون مساويا أو غير مساو : فينقسم العدد إليهما قسمة مستوفاة. وأيضا فإن العدد ينقسم إلى الزوج والفرد قسمة مستوفاة. ولكن قسمة العدد إلى المساوي وغير المساوي ليست قسمة أولية : لأن ما ليس بعدد ولا تحت العدد ينقسم كذلك : مثل الخط والسطح والجسم والزمان. وأيضا جنس العدد ينقسم كذلك : فإن كل كم إما مساو وإما غير مساو. فإذن القسمة الأولية بهما لجنس العدد. وأما القسمة إلى الزوج والفرد فهي للعدد قسمة أولية بالقياس إلى ما ليس بعدد. ولذلك فإن جنس العدد لا ينقسم بهما قسمة مستوفاة. فلا نقول كل كم إما زوج وإما فرد.

ونقول إن القسمة الأولية بالأعراض الذاتية تكون بتقابل كقولنا : كل خط إما مستقيم وإما منحن، وكل عدد إما زود وإما فرد. وقد تكون بغير تقابل كقولنا : إن من الحيوان ما هو سابح ومنه ماش، ومنه زاحف ومنه طائر.

صفحه ۴۳۴