المنطق
المنطق
وهذا الطغيان إنما يعرض لهم من سببين ، أحدهما بسبب ما جرت به العادة من استعمال لفظة الذاتي في " كتاب إيساغوجى " . ولم يعلموا أنه لا الذاتي ولا الضروري ولا الكلى في هذاالكتاب هو ما قيل في كتاب قبله. والثاني تفخيم أمر البرهان إذ جعلوه من الذاتيات المقومة، إذ كان الذاتي المقوم بتخيل عندهم أنه أشرف؛ والبرهان أيضا بالحقيقة هو أشرف. فيتوهمون أنه يجب أن تكون مقدمات البرهان من الأشرف لا غير، كما لو قال قائل إنه لا يجب أيضا أن يكون برهان على سالب لأنه خسيس، أولا يجب أن يكون برهان على الأمور الطبيعية أو التعاليمية، بل إنما يناسب البرهان الأشرف من الأمور وهو الأمر الإلهي : فإنه إن كان للأشرف في هذا الكتاب مدخل، وكان المدخل ليس على سبيل شرف المناسبة واصدق، بل الشرف الآخر، وكان يجب أن يعتبر هذا في المبادئ، فيجب أن يعتبر أيضا في المسائل : فيكون إنما يجب في المقدمات أن تكون ذاتية المحمولات بمعنى المقوم الفائز بالشرف إذا كانت مختصة بالعلم الإلهي لشرفه. لكن ليس هذا وأمثاله بشيء. ولا يجب أن يصغي الرجل العلمي إلى ما يفزع إليه القاصرون من أن ذا شريف وذا خسيس، بل إلى الموجود في نفس الأمور. فلنعرض عن أمثال هؤلاء الخارجين، ولنصر إلى غرضنا في تحقيق الأعراض الذاتية فنقول : إنما سميت هذه أعراضنا لأنها خاصة بذات الشيء أو جنس ذات الشيء : فلا يخلو عنها ذات لاشيء أو جنس ذاته - إما على الإطلاق مثل ما للمثلث من كون الزوايا الثلاث مساوية لقائمتين، وإما بحسب المقابلة إذا كان الموضوع لا يخلو عنه أو عن مقابله بحسب المضادة أو بحسب العدم الذي يقابله خصوصا : مثل الخط فإنه لا يخلو عن استقامة أو انحناء، والعدد عن زوجية أو فردية، والشيء عن موجبة أو سالبة.
فإذا اجتمع في هذه العوارض إن كان الموضوع لا يخلو عنه بأحد الوجهين المذكورين، وكانت ليست لغير الموضوع أو جنسه، كانت مناسبة لذاته. فلو كان الموضوع لا يخلو عنه، ولكن توجد لغيره من أشياء غريبة من ذاته أو جنسه - مثل السواد للغراب - لما كانت ذاتية له بوجه : إذا كانت لا تتعلق بذاته وبذات ما يقومه ولا ذات الشيء تتقوم بها. ولو كان الموضوع يخلو منه لا إلى مقابل مثلها، بل إلى سلب فقط، لكان ذات الموضوع لا يقتضيها في المقارنة ولا في التقويم بها. فأما إذا كانت من الأمور اللاحقة للموضوع، التي تقتضيها ذاتها، واختصت بجنسه ولزمته مطلقا، أو على التقابل، صارت تستحق أن تسمى أعراضا ذاتية.
ونقول : إن الأشياء الموجودة في موضوع موضوع للصناعات - لست أعني في موضوع موضوع للمسائل، أعني التي وجودها أن تكون فيه - هي التي تعرض لذلك الموضوع لذاته ولأنه ما هو هو. وأما اللوازم العرضية التي بهذه الصفة فإنها وإن كانت لازمة فهي خارجة عن أن تفيد الموضوع أثرا من الآثار المطلوبة له. وكيف وهي أعم من تلك الآثار : إذ تلك الآثار إنما توجد في الموضوع، وهي توجد خارجة عنه. فإن أخذت من حيث هي مخصصة بالموضوع صارت ذاتية مأخوذا في حدها الموضوع.
صفحه ۴۳۰