362

ولما كانت مقدمات البرهان عللا للنتيجة، والعلل أقدم بالذات، فمقدمات البرهان أقدم بالذات. وكذلك هي أقدم من النتيجة عندنا في الزمان وأقدم عندنا في المعرفة من جهة أن النتيجة لا تعرف إلا بها. ويجب أن تكون صادقة حتى ينتج الصدق. وإذا كانت هذه المقدمات عللا، فيجب أن تكون مناسبة للنتيجة داخلة في جملة العلم الذي فيه النتيجة أو علم يشاركه على نحو ما نبين بعد، وأن تكون أوائل براهينها من مقدمات أول بينة بنفسها هي أعرف واقدم من كل مقدمة بعدها. وإن لم تكن بهذه الشرائط لم تكن المقدمات برهانية.

وكثيرا ما يؤخذ في الإقناع الجدلي كواذب مشهورة ينتج بها صادق. وكثيرا ما تؤخذ صوادق غير مناسبة في قياسات ينتج بها صوادق : مثل احتجاج الطبيب أن الجراحات المستديرة أعسر برءا من قبل أن المستدير أكثر إحاطة. فتكون أمثال هذه دلائل لا براهين حقيقية لنها غير مناسبة : فإنه استعمل مقدمة كبرى هندسية توخى بها إبانة مطلوب طبيعي ولم يوضح علة مناسبة.

والأقدم عندنا هي الأشياء التي نصيبها أولا. والأقدم عند الطبع هي الأشياء التي إذا رفعت ارتفع ما بعدها من غير انعكاس. والأعرف عندنا هي أيضا الأقدم عندنا. والأعرف عند الطبيعة هي الأشياء التي تقصد الطبيعة قصدها في الوجود. فإذا رتبت بأزاء الجزئيات المحسوسة، كانت المحسوسات الجزئية أقدم عندنا وأعرف عندنا معا، وذلك لأن أول شيء نصيبه نحن ونفرعه هو المحسوسات وخيالات مأخوذة منها، ثم منها نصير إلى اقتناص الكليات العقلية. وأما إذا رتبت الكليات النوعية بأزاء الكليات الجنسية، كانت الكليات الجنسية أقدم بالطبع وليست أعرف عند الطبيعة، وكانت الكليات الجنسية أيضا أقدم وأعرف عند عقولنا. والكليات النوعية أشد تأخرا وأقل معرفة بالقياس إلينا : وذلك لأن طبيعة الجنس إذا رفعت ارتفعت طبائع الأنواع، وإن كانت طبيعة الجنس من جهة ما هي كلية - لا من جهة ما هي طبيعة فقط - قائمة بالأنواع. فطبائع الأجناس أقدم بهذا الوجه من طبائع الأنواع. لكن الأعرف عند الطبيعة هي طبائع الأنواع : لأن الطبيعة إنما تقصد لا طبيعة الجنس في أن يوجد، بل طبيعة النوع. فيلزمها طبيعة على سبيل المقصود بالضرورة أو بالغرض : وذلك لأن النوع هو المعنى الكامل المحصل. وأما طبيعة الجنس وحدها، فلا يمكن أن يوضع لها في الوجود تحصيل.والطبيعة تقصد الكامل المحصل الذي هو الغاية.وأيضا لو كان المقصود طبيعة الجنس بذاتها لما تكثرت أنواع الجنس في الطبيعة، ووقع الاقتصار على نوع واحد.

وبعيد أن يظن أن طبيعة اللون عي أعرف عند الطبيعة من البياض والسواد وغيرها بل الطبيعة الكلية الممسكة لنظام العالم تقصد الطبائع النوعية. والطبائع الجزئية التي ليست ذاتية لنظام العالم تقصد الطبائع الشخصية، والجنس داخل في القصد بالضرورة أو بالغرض.

صفحه ۴۱۸