المنطق
المنطق
ثم لسائل أن يسأل فيقول إنه إذا لم يكن بين المحمول والموضوع سبب في نفس الوجود، فكيف تبين النسبة بينهما ببيان؟ فنقول : إذا كان ذلك بينا بنفسه لا يحتاج إلى بيان، ويثبت فيه اليقين من جهة أن نسبة المحمول إلى الموضوع، فذات الموضوع يجب مواصلتها للمحمول. وقد علمت المواصلة ووجوبها من حيث وجبت، فالعلم الحاصل يقيني. وإن لم يكن بينا بنفسه، فلا يمكن البتة أن يقع به علم يقيني غير زائل : لأنا إذا جعلنا المتوسط ما ليس بسبب، لم يكن أن يطلب به هذا العلم اليقيني. وإن جعلناه ما هو سبب فقد وسطنا سببا، وهذا محال إذا فرضنا أنه لا سبب. فيشبه أن تكون أمثال هذه بينة بنفسها كلها، أو يكون بيانها بالاستقراء. إلا أنه لا يخلو، إذا بين بالاستقراء، من أحد أمرين : وذلك لأنه إما أن يكون وجود نسبة المحمول إلى جزئيات الموضوع بينا بنفسه بلا سبب، إذ إنما يتبين الاستقراء بها النوع، وإما أن يكون وجود نسبة المحمول إلى جزئيات الموضوع في نفسه بسبب. فإن كان بينا بنفسه في كل واحد منها، فإما أن يكون البيان بالحس فقط، وذلك لا يوجب الدوام ولا رفع أمر جائز الزوال، فلا يكون من تلك المقدمات يقين. وإما أن يكون بالعقل وهذا القسم غير جائز، لأن هذا المحمول لا يجوز أن يكون ذاتيا بمعنى المقزم : فإنا سنبين بعد أن الذاتي بمعنى المقوم غير مطلوب في الحقيقة، بل وجوده لما هو ذاتي له بين. وإما أن يكون عرضيا - ولا شك أنه يكون من الأعراض اللازمة لكلى يقال على الجزئيات إذا صح حمله على الكل - فيكون هذا العرض لازما لشيء من المعاني الذاتية للجزئيات، فإن العرض الذي هذه صفته، هذا شأنه. وإذا كان كذلك كان حمله (94 ب) على كل جزئي لأجل معنى موجود له ولغيره من الذاتيات، فيكون ذلك - أي الذاتي - سببا عاما لوجود هذا العرض في الجزئيات، وفرضناه بلا سبب. وإذا علم من جهة ذلك السبب، لم يكن ذلك بعلم ضروري ولا يقين، فضلا عن بين بنفسه. ويستحيل أن يكون عرضا للمعنى العام حتى يصح أن يكون مطلوبا، لكنه ذاتي لكل واحد من الجزئيات إلى آخرها : فإن الذاتي لجميع الجزئيات لا يصح أن يكون عرضيا للمعنى الكلى المساوي لها، لأنه ليس ثمة شيء من موضوعات ذلك الكلى يعرض له ذلك الحمل بسلبه أو إيجابه. فإذا لم يكن عارضا لشيء منها، فكيف يكون عارضا لكلها؟ وعارض طبيعة الكلى عارض نوع مع الإنسان. فقد بان أن نسبة المحمول في مثل ما كلامنا فيه تكون عرضية عامة، وتحتاج أن تبين في كل واحد من الجزئيات بسببه. فقد بطل إذن أن يكون استقراء جزئيات سببا في تصديقا بما لا واسطة له تصديقا يقينيا، وأن يكون ذلك بينا في الجزئيات بنفسه.
وأما إن كان حال المحمول عند جزئيات الموضوع غير بين بنفسه، بل يمكن أن يبين بيان، فذلك البيان إما أن يكون بيانا لا يوجب في كل واحد منها اليقين الحقيقي الذي نقصده، فكيف يوقع ما ليس يقينا اليقين الحقيقي الكلى الذي بعده؟ وإما أن يكون بيانا بالسبب ليوجب اليقين الحقيقي في كل واحد منها، فيجب أن تنفق في السبب كما قلنا ؛ فيكون وجود السبب للمعنى الكلى أولا. وإذا كان السبب لا ينفع في المعنى الكلى فليس أيضا بنافع في الجزئي. وإذا نفع في الكلى النافع هو القياس عند ذلك لا الاستقراء. وإما ألا يكون سبب هناك البتة، فيكون إما بينا بنفسه، وذلك مما قد أبطل، وإما استقراء آخر، وهذا مما يذهب بلا وقوف.
فقد بان أن مالا سبب لنسبة محمولة إلى موضوعه، فإما بين بنفسه وإما لا يبين البتة بيانا يقينيا بوجه قياسي.
صفحه ۴۱۲