المنطق
المنطق
وإذا كان التخيل من شأنه أن يفعل ذلك، قام مقامه على أن أكثر عوام الناس أطوع للتخيل منهم للتصديق. فهذا قسم. وأما القسم الذي فيه التصديق فإما أن يكون التصديق به على وجه ضرورة أو على وجه تسليم لا يختلج في النفس معانده، أو علة وجه ظن غالب. والذي على وجه ضرورة، فإما أن تكون ضرورته ظاهرية - وذلك بالحس أو بالتجربة أو بالتواتر - أو تكون ضرورته باطنية. والضرورة الباطنية إما أن تكون عن العقل، وإما أن تكون خارجة عن العقل ولقسوة أخرى غير العقل. فأما الذي عن العقل فإما أن تكون عن مجرد العقل ، أو عن العقل مستعينا فيه بشيء. والذي عن مجرد العقل فهو الأولى الواجب قبوله : كقولنا الكل أعظم من الجزء. وأما الذي عن العقل مع الاستعانة بشيء : فإما أن يكون المعين غير غريزي في العقل فيكون هذا التصديق واقعا بكسب فيكون بعد المبادئ، وكلامنا في المبادئ. وإما أن يكون المعين غريزيا في العقل أي حاضرا - وهو الذي يكون معلوما بقياس حده الأوسط موجود بالفطرة وحاضر للذهن. فكلما أحضر المطلوب مؤلفا من حدين لأكبر وأصغر تمثل هذا الوسط بينهما للعقل من غير حاجة إلى كسبه. وهذا مثل قولنا : إن كل أربعة زوج : فإن من فهم الأربعة وفهم الزوج تمثل له أن الأربعة زوج، فإنه في الحال يتمثل أنه منقسم بمتساويين. وكذلك كلما تمثل للذهن أربعة، وتمثل الاثنان، تمثل في الحال أنها ضعفه لتمثل الحد الأوسط. وأما إذا كان بدل ذلك ستة وثلاثون أو عدد آخر، افتقر الذهن إلى طلب الأوسط. فهذا القسم الأولى به أن يسمى مقدمة فطرية القياس. وأما الذي هو خارج عن العقل فهو أحكام القوة الوهمية التي يحكم بها جزما وبالضرورة الوهمية إذا كانت تلك الأحكام في أمور ليس فيها للعقل حكم أولى. وتلك الأمور مع ذلك خارجة عن المحسوسات فيضطر الوهم النفس إلى حكم ضروري فيها كاذب، إذ يجعلها في أحكام ما يحس، مثل حكم النفس في أول ما يوجد مميزه، وقبل أن تثقف بالآراء والنظر، أن كل موجود فهو في مكان أو في حيز مشار إليه؛ وأن الشي الذي ليس في داخل العلم ولا في خارجه فليس بموجود. فإن النفس تحكم بهذا الضرورة، ولا يكون العقل هو الموجب لهذا، ولكن يكون ساكتا عن هذا. ثم إذا نظر العقل النظر الذي يخصه، وألف قياسات من مقدمات مشتركة القبول بين العقل وبين قوى أخرى - إن كان لها حكم في القبول والتسليم - أنتج أن للمحسوسات مبادئ مخالفة للمحسوسات. فإذا انتهى النظر إلى النتيجة ما نعت القوة التي تحكم الحكم المذكور، فيعلم أنها كاذبة ضرورة، وأن فطرتها وضرورتها غير الضرورة العقلية ، وإن كانت ضرورة قوية في أول الأمر. وأول ما يكذبها أنها نفسها لا تدخل في الوهم. ومع ذلك فإنه قد يصعب علينا التمييز بين الضرورتين، إلا أن ننظر في موضوع المطلوب ومحموله. فإن كان شيئا أعم من المحسوس أو خارجا عنه، وكانت الضرورة تدعو إلى جعله على صورة محسوسة. لم نلتفت إليها بل نفرغ إلى الحجة. والموجود والشيء والعلة والمبدأ والكلى والجزئي والنهاية وما أشبه ذلك كلها خارجة عن الأمور المحسوسة. بل حقائق النوعيات أيضا مثل حقيقة الإنسان فإنها مما لا يتخيل البتة ولا تتمثل في أوهامنا. بل إنما ينالها عقلنا، وكذلك كل حقيقة كلية من حقائق نوعيات الأمور الحسية فضلا عن العقلية كما سنبين ذلك في موضعه.
فمبادئ البراهين التي من جنس المدركات (91 ب) بالضرورة من هذه التي تدرك ويصدق بها بالضرورة الحقيقية دون تلك الوهمية. وأما ما يكون على سبيل التسليم فإما أن يكون على سبيل تسليم صواب، وإما على سبيل تسليم غلط. أما الذي على سبيل تسليم صواب فهو إما على سبيل تسليم مشترك فيه، وإما على سبيل تسليم من واحد خاص، يكون ذلك نافعا في القياس الذي يخاطب به ذلك الواحد الخاص، ولا يكون التصديق به مما يتجه نحو المخاطب والقياس بل نحو المخاطب. فلا ينتفع به المخاطب والقياس فيما بينه وبين نفسه البتة انتفاعا حقيقيا أو مجردا.
والذي على سبيل تسليم مشترك فيه : إما أن يكون رأيا يستند إلى طائفة، أو يكون رأيا لا يستند إلى طائفة، بل يكون متعارفا في الناس كلهم قبوله، وقد مرنوا عليه، فهم لا يحلونه محل الشك : وإن كان منه ما إذا اعتبره المميز، وجعل نفسه كأنه حصل في العالم دفعة وهو مميز، ولم يعود شيئا ولم يؤدب ولم يلتفت إلى حاكم غير العقل، ولم ينفعل عن الحياء والخجل، فيكون حكمه خلقيا لا عقليا؛ ولم ينظر إلى موجب مصلحة فيكون بوسط لا بضرورة؛ وأعرض عن الاستقراء أيضا فيكون بوسط؛ ولم يلتفت إلى أنه هل ينتفض عليه بشيء. وإذا فعل هذا كله ورام أن يشكك فيه نفسه أمكنه الشك : كقولهم إن العدل جميل، وإن الظلم قبيح، وإن شكر المنعم واجب. فإن هذه مشهورات مقبولة؛ وإن كانت صادقة فصدقها ليس مما يتبين بفطرة العقل المنزل المنزلة المذكورة، بل المشهورات هذه وأمثالها منها ما هو صادق ولكن يحتاج في أن يصير يقينا إلى حجة، ومنها ما هو صادق بشرط دقيق لا يفطن له الجمهور.
ولا يبعد أن يكون في المشهورات كاذب. والسبب في اعتقاد المشهورات أخذ ما تقدمنا بالاحتراز عنه عند تمثيلها في الذهن للامتحان. وهذه هي المشهورات المطلقة.
صفحه ۳۹۸