المنطق
المنطق
على انهم لايميزون بين قولهم: فالعلة كذا؛ وبين قولهم: فالعلة هي كذا؛ وبين قولهم: فالعلة هي الكذا. فيأخذون أي هذه اتفق مكان الآخر. وتحليل قياسهم يوجب ان تكون العلة هي الموضوع وأن يكون المحمول ليس الكذا، بل كذا. فانهم لايمكنهم الا ان يقسموا فيقولوا: كذا كذا إما لذاته، أو لعلة. لكنه ليس لذاته، فبقى أن يكون كذا كذا لعلة. ويحتاج أن يقولوا: والعلة صفة، لا أن يقولوا: والصفة علة فإن هذا لاينتج. فاذا قالوا: والعلة صفة، ثم قالوا: فإما أن تكون ب صفة، أو ان تكون ج صفة، كذبوا؛ فإن كل ذلك صفة. ومع ذلك لايستمر قياسهم، لأنه لاينتج ، بل يجب أن يقولوا: وكل صفة له إما ب، وإما ج، وإما د. فحينئذ تكون النتيجة: فالعلة إما ب، وإما ج، وإما د. ثم يبقى آخر الامر فالعلة د، لا أن د علة. وايضا ان قالوا قبل الانتاج: وما هو الصفة إما الب وإما الج، وإما الد، كذبوا فليس يجب في القسمة أن يكون الامر على هذه السبيل حتى يكون كل قسم على حكم منحرفة، وانت تعلم هذا قريبا. بل يجب ان يقولوا: والصفة إما ب، وإما ج، وإما د؛ فتكون النتيجة: أن العلة إما ب، وإما ج، وإما د. فحينئذ اذا أبطل ب و ج وبقى د، تكون النتيجة: أن العلة د. ليس أن كل د علة، حتى حيث وجد د يكون علة، بل تكون العلة التي توجب الحكم د، حتى اذا وجدت العلة وجد د. ويجوز ان يكون ما هو د مما يحتاج أن يقسم ويخصص، إن أمكن، حتى يبلغ الى العلة. كما أنك إن قلت: وليس الجسم بقديم، فأنتجت: فالجسم محدث. لم يجب أن تكون أنتجت: والمحدث جسم، أو أن كل محدث جسم. فإن طمعوا في اول الامر ان يكون قولهم: إن العلة إما ب كيف كانت، وإما ج كيف كانت، وإما د كيف كانت، فهذا غير مسلم. فانه ليس اذا كان للحكم علة، وكان لايخلوا عن أحد الاوصاف المذكورة أنه يجب أن يكون الموضوع الذي لايخلو عنه، إنما لايخلو عنه على انه ذلك الحكم لنفسه لالمعنى أخص منه يكون علة. نعم إن كانت القسمة الاولى جاءت بالاوصاف التي لاتنقسم بقسمة ثانية، فسيمكن ذلك. ومن لهم بذلك ؟ هذا وان قياس الفراسة من جملة القياسات لالتمثيلية العلامية. فإنه اذا سلم ان الانفعالات والمزاجات الواقعة في ابتداء الجبلة والطبيعة، تتبعها أخلاق النفس، كما تتبعها هيئات البدن، سلمت الفراسة. أو رؤى ان الانفعالات الطبيعية للنفس كالغضب والشهوة والاخلاق، يتبعها تغير في هيئة البدن ومزاجه، كما يتبعها في النفس؛ سلمت الفراسة. وانما قلنا الانفعالات الطبيعية لأن ههنا انفعالات تؤثر في النفس من غير أن تتعرض للبدن مثل تعلم اللحون. انما الطبيعية مثل الغضب والشهوة وغيرهما. فإذا علم أي انفعالات النفس يصحب أي انفعالات البدن، وبالعكس؛ أمكن ان نجعل الانفعالات البدنية والهيئات البدنية دلائل على الانفعالات النفسية والملكات النفسية. فاذا عرف من شئ من الحيوان انفعال أو هيئة نفسانية كالشجاعة من الاسد طلب مايقترن بتلك الحالة النفسانية من احوال البدن ويختص بها، فجعلت الهيئة البدنية علامة للهيئة النفسية. فتكون العلامة البدنية في الاسد مثلا عظم الاطراف العلية. ويكون هذا للأسد خاصة لابالقياس الى كل حيوان، بل بالقياس الى كل حيوان غير شجاع؛ بل تؤخذ هذه الهيئة البدنية لكل حيوان شجاع، فيجعل عظم الاطراف علامة للشجاع اذا كانت تنعكس عليه. فاذا وجد انسان عظيم الاطراف العالية، قيل إنه شجاع. وإن كان هناك خلقان أو انفعالان نفسانيان مثل ما للاسد، فانه شجاع فقد ينسب اليه جود وكرم.
فيجب أن يتأمل أولا أي العلامتين يتبع أي المعنيين، ويعرف ذلك على وجهين: فإنه إن كانت العلامة فيالنوع كله وليس أحد المعنيين في كله، فإن العلامة تدل على فراسة الموجود في النوع كله. وإن كانت العلامة في نوع آخر يشاركه في احدى الخليقتين دون الاخرى، فالعلامة لما يشاركه فيه. مثل أن النمو لايشاركه في الكرم ويشاركه في عظم الاطراف العالية، ومع ذلك فيشاركه في الشجاعة. فيكون عظم الاطراف العالية دليلا على الشجاعة وعلامة عليها دون الكرم.
فاذن يجب أن تكون الواسطة في الفراسة أعم من الاصغر لامحالة، ومساوية للأكبر، وترجع الى القياسات المذكورة.
352 101 - /
البرهان من كتاب الشفاء
الفن الخامس من المنطق في البرهان، وهو أربع مقالات:
المقالة الأولى
اثنا عشر فصلا
الفصل الأول في الدلالة على الغرض في هذا الفن
صفحه ۳۹۱