المنطق
المنطق
وقد ظن بعضهم ان قول المعلم الاول: إنه يجب أن يبدأ أولا بالواسطة، أن معناه انه يجب اب يبدأ بالاصغر. وليس كذلك. فانه اذا سأل عن الصغرى، لم يكن بد من أن يتلوه بالسؤال عن الكبرى، فيكون قد سأل على ترتيب قياسي منتظم. وقد حذر ايضا عن الابتداء للصغرى لما فيه من التنبيه على مأخذ الاحتجاج. فإن كان السؤال عن الكبرى مما لابد للمجيب فيه عن جواب يلائم غرض السائي، يكون حكمه حكمه لو ابتدأ بالصغرى سائلا، وإن كان للمجيب ان يجيب بشئ آخر، فهو الآن افطن لوجوب ذلك عليه، إذا أحس بالصغرى وأحس بانتظام القياس. فاذا كان له سبيل الى ان يعاسر في تسليم الكبرى، فقد افترض عليه سلوكها من هذا الوقت. وأما اذا سأل عنها أولا، ثم تلاها بالسؤال عن الصغرى وذلك في الشكل الاول لم يلح له وجه التأليف والنسق، فلم يلح له وجوب المعاسرة. فإن كان التسليم أشبه بالواجب والمستحسن رجى ان لايعدل عنه عدوله لو بينه للتأليف القياسي. ولو أن إنسانا ينازعنا في ان العالم محدث؛ فأردنا ان نثبت عليه أن العالم محدث؛ فقلنا له: أليس العالم كذا؟ تنبه أن كونه كذا يجعله محدثا. فعاسر في ذلك في اول الامر وأما إذا سألناه، وقلنا: أليس كذا محدثا ؟ أمكن أن يذهب توهمه الى انه شئ لايضره حدثه ولا قدره (قدمه). ويجب أن تعلم أن هذا الاتلاف في الترتيب ينتفع به المقاييس التي تؤلف. على نظم الشكل الاول. ومع الذين لم يحتنكوا في الجدل؛ بل هم مبتدئون وعاميون. وأما المحنكون فلا يؤثر هذا القدر من الاختلاف عندهم؛ بل انما يغلطون في القياسات المركبة.
الفصل التاسع عشر (ق) فصل في أنه كيف يمكن أن يعلم الشيء ويجهل معا وأنه كيف يعلم ويظن به مقابل ما يعلم
إنه كما أن المجيب قد يسلم مقدمات يلزم عنها تبكيته ولايشعر، لأنها تسلمت منه لاعلى الترتيب المنتج، بل مخلطة محرفة. كذلك الانسان فيا بينه وبين نفسه قد يكون عنده المقدمات التي يجب ان يعلم مع العلم بها شئ آخر؛ فيجهل ذلك الشئ، لآن المقدمات ليست حاضرة في ذهنه مرتبة في علمه بالفعل بالترتيب الموجب لذلك العلم. فلتقل كيف يمكن ان يجهل الشئ ويعلم معا، وأن يعلم ويظن به مقابل ما يعلم. فنقول: إن السبب في أن يكن بالشئ علم وظن متقابلان بقياسين أو أحدهما بقياس والآخر ليس بقياس، هو على جهتين.
إحداهما، يستحيل أن يكون في انسان واحد في وقت واحد، بل قد يقع لإنسانين، وذلك انه اذا كان مثلا كل د ب و ج بلا واسطة، ثم كان كل ب آ، وكل ج أيضا آ، فإن اعتقد انسان واحد ان كل ب آ، وهو الحق واعتقد الآخر أن لاشئ من ج آ، وهو بالطل، وقرن كل بما تراه الغرى، هذا أن كل د ب، وذلك كل د ج، اعتقد اعتقادين متقابلين. وأما إنسان واحد فلا يمكن أن ينعقد عنده القياسان معا بالفعل فيرى شيئا وضده من جهة انتاجهما اياهما معا، بل ان وقع له مثل هذا تشكك ولم يعتقد شيئا.
صفحه ۳۷۸