المنطق
المنطق
إنه كثيرا ما يعسر تحليل القياس الناقص، إذا كان ظاهر المسموع عنه تلزم عنه النتيجة عند الذهن، فتستغني النفس عن تتميمه ورده إلى كماله. وتظنه تاما؛ ثم لا تجد القدر الموجود، مشاركا للنتيجة حق مشاركتها، التي ينبغي أن تكون بينها بين المقدمات. ومثال هذا قول القائل: إن أجزاء الجوهر؛ وما ليس بجوهر، لا يبطل بطلانه الجوهر. أو نقول: بطلان أجزاء الجوهر، يبطل معه الجوهر؛ وبطلان ما ليس بجوهر، لا يبطل معه الجوهر. فيلزم منه أن أجزاء الجوهر، جوهر. ثم لا يشك الذهن في لزوم هذا عما وجده، فيظن أن قياس تام؛ ثم لا يمكن تحليله ورفعه إلى الأشكال رفعا يلزم منه المطلوب فيتبلد فيه الذهن ، ورما كان المطلوب في مثل هذا، لازما للنتيجة القريبة من القياس، لزوم التالي للمقدم، أو لزوم النتيجة عن الضمير. كما أن هذا القياس إنما ينتج عنه بالحقيقة. أما على العبارة الأولى، فهو أن أجزاء الجوهر، ليس ما ليس بجوهر؛ ويلزم هذا تال المقدم، أن أجزاء الجوهر جوهر. وأما على العبارة الأخرى، فهو أن بطلان أجزاء الجوهر، ليس بطلان ما ليس بجوهر؛ وإذا أضيف إليه، وما ليس بطلانه بطلان لا جوهر، فهو جوهر؛ فينتج: فأجزاء الجوهر جوهر. وربما كان القياس يعود إلى إنتاج المطلوب بأدنى تعبير يلحق مقدمة من مقدماته، إذ كانت المقدمة مأخوذة في القياس، لا على النحو الذي ينتج المطلوب الواجب، بل على نحو يلزمه مثل عكس، أو عكس نقيض، أو غير ذلك. فإذا رد إلى الواجب سهل تحليل القياس فإن هذه المقدمة القائلة: وبطلان ما ليس بجوهر لا يبطل به الجوهر، إذا قلبت حتى صار: وكل ما يبطل ببطلانه الجوهر، فهو جوهر، أنتج على الاستقامة: إن أجزاء الجوهر، جوهر. وكذلك لو أن قائلا قال: إن كان الإنسان موجودا، فالحيوان موجود؛ وإن كان الحيوان موجود. قيل: وهذا يعسر تحليله. وقد قيل في كونه عسر التحليل، وجوه من قبل. من ذلك إن هذا التأليف إنما يكون من شرطين، ليس من حملين؛ ومع ذلك فليس استثناء، فليس بقياس، وإن أشبه القياس. ومن ذلك أن المراد منه هو أن ينتج من هذا: أن الإنسان جوهر؛ ولا ينتج ذلك من هذا. ومن ذلك أنها تين مهمتان. ومن يقول هذا فالعجب منه إذ يغشى الحق. ولم يعرف بعد الإهمال إلا في الحمليات. وينبغي أن يكون ما يقال في مثل هذا تحفظ أشياء: أحدها، أن يكو المطلوب حقا. والثاني، أن يكون لازما عن ذلك القول. والثالث، أن يكون القول ليس ينتج ذلك إما لأنه غير قياس، وإما لأنه قياس. وينتج غير ذلك. وهذه الأشياء لا يمكن أن تحفظ في تعقب هذا القياس. لأن هذا القياس مؤلف من شرطيتين متصلتين، والمطلوب شرطي متصل لا ينتج إلا عنه، فلا يوجد في هذا القياس مغمز إلا أن يقال: إن المقدمتين ليستا بمحصورتين لا الحصر الذي للحملي، بل الذي للشرطي الذي قد علمت. فيحتاج إلى أن يصلح، فيجعل بدل: إن كان، كلما كان، لكن المعلم الأول إذ أورد هذا، فقد أورده، ولم يتقدم تعليمه للشرطيات، فيشبه أن يكون معنى ذلك أن ههنا لوازم تلزم، ولا تكون عن وجوه القياسات التي تعلمتموها. فلا يمكن حلها إلى تلك حتى تعلم: أنه ليس كلما يلزم عنه شيء يكون صورة القياس المتعلم كما هو؛ بل ربما كان اقتراني آخر. وإذا أريد تحليله إلى الحمليات التي علمت في هذا الكتاب، لم يمكن أن تؤخذ بحالها، بل أن يتصرف فيها نحو من التصرف، فتنتقل مثل الشرطيتان ههنا إلى حمليتين. وإما أنه كيف ينقل ذلك إلى الحمليتين فبأن نقول: كل إنسان حيوان، وكل حيوان جوهر، فكل إنسان جوهر. ويلزمه: إن كن إنسان فهو جوهر. فهذا تأليف قول يلزم عنه ما وضع لازما عنه، ولا ينحل إلى القياس المتعلم. وإذا احتيل حتى يحل إليه بما ذكرناه، لزم عنه أيضا هذا اللازم، ولكن ليس على أنه نتيجته الأولية. فإذا أخذ على هذا نتيجته لم يكن تحليله مع النتيجة وإذا حلل وحده كانت النتيجة شيئا آخر وكان هذا لازما عن النتيجة. فعلى هذا يمكنني أن أفسر هذا المثال. فهذا وأمثاله من قبيل ما يكون الموهم في الشيء، إنه قياس على شيء، وليس بالحقيقة قياسا عليه، هو كونه بحيث لا يشك في لزوم ذلك الشيء عنه. وقد يعرض أن يكون الموهم شيئا فيه نفسه، لا بالقياس إلى ما يظن أنه يلزم عنه. وذلك بمشابهة حدود لحدود القياس، مع إخلال وقع فيه، بشرط أو بشروط تلحق الحدود من الأسوار والروابط وغير ذلك. ويكون غير منتج، ولا يلزم منه شيء، فيظن قياسا. مثل ذلك: أن زيدا متوهم زيدا، والمتوهم زيدا قد يكون إنما أن يكون أزليا. والذي قيل في هذا إن السبب في التغليط، كون الكبرى غير الكلية وإن الشرط أن الكبرى يجب أن تكون كلية حتى تنتج. وهذه ليست كلية؛ بل مهملة. وإذا قيلت: كلمة، فقيل: وكل متهم فيمكن أن يكون أزليا، كان ا لقول كاذبا، قول من حقه أن ينظر فيه. ونقول لقائل أن يقول: إن الكبرى ليست مهملة، بل شخصية. وأن نقول: يشبه أن تكون القياسات المؤلفة من شخصيتين قد تنتج: وإن كانت ا لكبرى ليس كلية، فإنه إذا قيل: إن زيدا هذا القاعد، وهذا القاعد هو أبيض، لزم دائما أن يكون زيد أبيض. إنما كان الجزئي لا ينتج حيث تكون جزئيته محصورة أو في وقتها. فيجوز أن يقلب الأصغر عن الأوسط. وههنا فلا يقلب الأصغر عن الأوسط أبدا. فلو قلنا: إن زيدا متوهم زيدا، كان متوهم زيدا إن كان شخصيا، ثم كرر، وصدق أن المتوهم زيدا يمكن أن يكون أزليا، وعنى به هذا المتوهم زيدا، كان القياس منتجا. والقول يلزم عنه ما يلزم. وإن كان قولنا: وهذا المتوهم زيدا، يمكن أن يكون أزليا، كاذبا. فيكون القول لم ينتج حقا، لأن كبراه كاذب، لا لما قيل.
صفحه ۳۵۲