289

فهذا هو تحليل القياس المعروف بالخلف إلى مقدماته. وأما الذين يحاولوا أن يضعوا الشرطية الأولى، ثم يبنوا منها الخلف، فإنهم يقولون: لكن التالي محال، ويجعلون قولنا: التالي محال، دعوى. فمنهم من يتكلف أن يصادف قياسا يجمع بين التالي وبين المحال، فيقول: إن التالي يجتمع منه ومن حق قياس منتج المحال، وما اجتمع منه ومن الحق ذلك فهو محال. ثم يأتي بقياس ينتج الصغرى فيقول: إن التالي يجتمع منه ومن كذا قياس ينتج المحال، وما اجتمع منه ومن كذا قياس ينتج المحال، فقد اجتمع منه ومن حق قياس ينتج المحال.هذا بعد أن يكون فيه إدغام مقدمات وتكلف كثير وطول كلام على المحلل. ومنهم من يعرض عن هذا، ويأخذ تأليفات من التالي ومن حق، فينتج محالا. ثم يعود فيقول: إن هذا المنتج محال، فهو إما عن الكبرى، أو الصغرى، أو التأليفات. ثم يستثني: وليس عن التأليفات، فينتج: فهو إذن إما عن الكبرى، وإما عن الصغرى. ثم يستثني: وليس عن الكبرى، إذ كان الحق هو الكبرى، فينتج: فهو إذن عن الصغرى. ثم يقول،والصغرى محال، فينتج: نقيض التالي حق، ونقيض المقدم حق. ثم يكون في جملة هذا أنواع من البتر ومن إضمار قياسات لم يصرح بها، لا فائدة لنا بتطويل الكلام في ذلك. والذي أوردناه هو عين القياس الخلفي من غير زيادة ولا نقصان.

لكن العادة جرت في استعمال الخلف بأن تستعمل تلك الاقترانيات، ثم تترك النتيجة فلا تذكر؛ بل يذكر ما هو الحقيقة استثناء لنقيض تاليها، فينتج المطلوب. مثلا العادة في ذلك هي أنه إذا قيل: إن كان ليسس كل ج ب، فكل ج ب، وكل ب ا، فكل ج ا، وهذا محال، فكل ج ب . ويكون قوله فكل ج ا، معناه إن كان ليس كل ج ب، فكل ج ا. وإذا كان الأمر على ما وصفناه فكل ج ا. ويكون قوله: هذا محال، معناه أنه ليس كل ج ا، وهو استثناء نقيض التالي. فالعادة مستمرة إذن على وفاق تحاليلنا لقياس الخلف. ومعنى قولهم: قياس الخلف، أي القياس الذي يرد الكلام إلى المحال، فإن الخلف اسم للمحال، وأما الذين يقولون: قياس الخلف بضم الخاء، فقد زاغوا، إذ الخلف إنما يكون في المواعيد فقط. وبعضهم قال إنما سمي قياس الخلف، لأنه لا يأتي الشيء من بابه، بل يأتيه من ورائه وخلفه؛ إذ يأتيه من كريق نقيضه. والأوقع عندي أن الخلف المستعمل ههنا هو بمعنى المحال لا غير.

المقالة التاسعة من الفن الرابع من الحملة الأولى في المنطق

الفصل الأول (ا) فصل في تعريف أن القياسات الاستثنائية إنما تتم بالقياسات الاقترانية

صفحه ۳۲۹