ثم أمر أن يدعى له أبو طلحة الأنصاري، فلما جاء أمره في أن يكون في خمسين رجلا من الأنصار، وأن يجمع هؤلاء الستة في بيت، ويقوم فيمن معه على بابهم حتى يختاروا رجلا منهم، وأجلهم في هذا ثلاثا.
وزعم بعض الرواة أنه أمر أبا طلحة إن أمضوا ثلاثة أيام ولم يختاروا منهم خليفة أن يضرب أعناقهم.
وما أحسب أن هذا يصح، فقد كان عمر أحرص على دماء المسلمين من أن يأمر بقتل ستة من كبار ذوي السابقة من المهاجرين، الذين بشرهم النبي
صلى الله عليه وسلم
بالجنة ومات وهو عنهم راض.
وقد فصلت القول في الشورى في غير هذا الموضع.
وأمر أن يصلي بالناس صهيب أثناء الأيام الثلاثة التي يتشاور فيها الستة، ثم أمر ابنه عبد الله أن يحسب دينه لبيت المال، فحسبه فإذا هو ستة وثمانون ألف درهم، فقال: إذا أنا مت فأدها من مال آل عمر، فإن لم يف بها فسل فيها بني عدي، فإن لم تجد عندهم ما يفي بها فسل في قريش ولا تعدها. وأمر عبد الله أن يضمن هذا المقدار فضمنه.
وأعتقد أنا أن في هذا الدين كل ما أخذ عمر لنفسه من بيت المال لقوته وقوت أهله ولكسوته ولبعض تجارته، وأعتقد ذلك لأن أبا بكر أمر في مرضه الذي مات فيه أن يؤدى من ماله إلى بيت المال كل ما أخذ منه لقوته وكسوته، وأعتقد أن عمر حرص كل الحرص على أن يصنع صنيع أبي بكر، وهو الذي كان يقول دائما، ولا سيما بعد أن طعن: وددت لو أخرج منها كفافا لا علي ولا لي.
وقد أشهد ابن عمر على نفسه بهذا المال وأداه إلى عثمان، بل قبل أن يمضي الأسبوع على دفن أبيه.
وكان بعد أن فرغ من تدبير أمور المسلمين لا يفكر في شيء إلا فيما ينتظره من حساب الله عز وجل، وكان يقول: لو أن عندي ما في الأرض من شيء لافتديت به من هول المطلع.
صفحه نامشخص