وأنا أشرب منها
والشاي بأنواعه لا سيما الأخضر وهو ما أدخله إلى المغرب السادة السنوسية - رضي الله عنهم وكفى بهم قدوة. وليس هناك سكر ولا رقص ولا في المقهى مكان للرقص، وإنما قد تنشد أحيانا بعض الأبيات المرققة للقلوب وبعض الأزجال المقبولة، وليس في ذلك نكير، ولعمري إن مقهى بدون قهوة ولا شاي أشبه بقلب بلا وجد أو «بغراموفون» في نجد.
شكيب أرسلان
لوزان في 30 نوفمبر 1926
الوداع الأخير
ومذ ذلك الوقت لم يتيسر لي الاجتماع بأخي شوقي؛ لأني كما لا يخفى لا أقدر أن أدخل مصر، ولأن شوقي لم يأت في هذه السنين الأخيرة إلى سويسرة، وبقيت أرعاه ويرعاني عن بعد وأصحبه فؤادي كيفما جال وابتهج بنفثاته مهما قال، إلى أن أتاح الدهر لي أن أنظره النظرة الأخيرة التي لم أنظره بعدها وا حسرتاه، وهي أني في منصرفي من الحج سنة 1347 مررت على السويس؛ حيث بعد لأي سمحت لي الحكومة المصرية بالإقامة بضعة أيام أشاهد فيها سيدتي الوالدة التي كان أولاد عمي الأمير أمين مصطفى أرسلان وشقيقته أتوا بها إلى السويس لمشاهدتي، فأقمت في تلك البلدة أربعة أيام أقبل فيها علي الإخوان من مصر: الأستاذ الأكبر السيد رشيد رضا والمرحوم أحمد زكي باشا وحافظ بك عوض وعبد الله بك البشري ونسيم أفندي صيبعة وأسعد أفندي داغر والحاج أديب أفندي خير والسيد محمد علي الطاهر صاحب الشورى وأحمد حلمي باشا مدير البنك العربي في فلسطين، وغيرهم من إخواني وخلاني، وأقبل أيضا أحمد بك شوقي وسررت بلقاء الجميع سرور من بقي عشرات من السنين في بلاد الغرب محروما لقاء إخوانه الذين كان يذوب شوقا إلى لقائهم، لا سيما أخي شوقي الذي بيني وبينه من الإخاء والذمام ما لا يكاد يوجد بين اثنين، ومما أتذكره أني قلت له يومئذ: لا أقدر أن أدعوك إلى سورية؛ لأني لا أقدر أن أطأها بقدمي ولا إلى فلسطين ولا إلى مصر التي لا أدخلها إلا بعد اللتيا والتي، فأنا أدعوك إلى سويسرة؛ حيث يمكنك أن تقضي الصيف ونشاهدك مليا.
فقضى عندي سحابة يومه ثم ركب سيارته عائدا إلى مصر وودعته في السويس الوداع الذي كنت أرجو بعده اللقاء فكان هو الوداع الأخير، وذلك أن لقاءنا هذا كان في سنة 1347 وأن شوقي - رحمه الله - لقي ربه في 14 جمادى الآخرة سنة 1351 فيكون بين وداعي الأخير له ووفاته نحو من أربع سنوات، قد كنت أمني النفس في أثنائها باللقيان لأنه ما دام الإنسان حيا ولو على بعد لم ينقطع الأمل من مشاهدته، فأما إذا فات فهي الحسرة الكبرى.
وما صبابة مشتاق على أمل
إلى اللقاء كمشتاق بلا أمل (1) قصيدة المؤلف في مهرجان شوقي
وكانت مصر قد قررت الاحتفال بعيد الخمسين سنة من حياة شوقي الأدبية، وهو ما اصطلح عليه الناس من تسميته يوبيلا
صفحه نامشخص