الحياء خير كله، هو في جملته انقباض الإنسان عما لا يليق به، وإحجامه عنه، واستكبار النفس عما لا يلائمها والنفور منه، واشمئزاز الكريم من الدنايا، وأنف الحر من المخازي.
الحياء ليس جبنا ولا خوفا، بل هو في حقيقته أنفة واستكبار وتنزه ونفار. هو تقزز من الصغائر كما يتقزز الإنسان من الأنجاس، وتقذر المعايب كما يتقذر المرء من الأقذار، وعيف السفساف من الأمور كما يعاف الآكل طعاما غير طيب. هو شعور النفس بكرامتها، وترفعها عما ينال من هذه الكرامة. وهو إحساس الإنسان بقبح المعنوي من الأمور كما يستقبح الحسي من الأشياء. فهو ملاك الخلق، وقوام الكرم، وعماد التربية ، ووسيلة التهذيب.
ليس الحياء جبنا فلعل حييا يغض عينه حياء، وهو أشد إقداما على المخاوف، وأكثر استهانة بها، قالت ليلى:
وأحيا حياء من فتاة حيية
وأشجع من ليث بخفان خادر
وقال أبو الطيب يصف أصحابه:
وأوجه فتيان حياء تلثموا
عليهن لا خوفا من الحر والبرد
إذا لم تجزهم دار قوم مودة
أجاز القنا والخوف خير من الود
صفحه نامشخص