362

شرح التلويح على التوضيح لمتن التنقيح في أصول الفقه

شرح التلويح على التوضيح لمتن التنقيح في أصول الفقه

وأما الثاني فلأن الفقير والبيت وإن كان يستحقان الإحسان والزيارة نظرا إلى الفقر والشرف لكنهما لا يستحقان هذه العبادة أعني الزكاة والحج إذ العبادة حق الله تعالى خاصة، والأحسن أن يقال : الفقير إنما يستحق الإحسان من جهة مولاه، وهو الله تعالى لا من جهة العباد، والبيت لا يستحق الزيارة والتعظيم لنفسه لأنه بيت كسائر البيوت، والنفس وإن كانت بحسب الفطرة محلا للخير والشر إلا أنها للمعاصي أقبل وإلى الشهوات أميل حتى كأنها بمنزلة أمر جبلي لها فكأنها أردتم بالحسن لمعنى في نفسه كون الفعل مأمورا به فهذا عين مذهب الأشعري ولا يستقيم تقسيم الحسن إلى الحسن لمعنى في نفسه، والحسن لمعنى في غيره؛ لأن كل المأمورات حسنة لمعنى في نفسها بهذا المعنى، والجواب عنه وجهان: الأول أنه قد علم مما تقدم أن حسن الفعل عند الأشعري لكونه مأمورا به، وعندنا لا بل إنما أمر به؛ لأنه كان حسنا قال الله تعالى: {إن الله يأمر بالعدل والأحسان} [النحل:90] يقتضي كونه عدلا وإحسانا قبل الأمر لكنه خفي عن العقل فأظهره الله تعالى بالأمر.

...................................................................... ..........................

مجبولة على المعاصي بمنزلة النار على الإحراق، فبالنظر إلى هذا المعنى لا يحسن قهرها فسقط حسن دفع الحاجة وزيارة البيت وقهر النفس عن درجة الاعتبار، وصار كل من الزكاة والصوم والحج حسنا لمعنى في نفسه من غير واسطة وعبادة خالصة بمنزلة الصلاة، وقد يقال: إن هذه الوسائط لم تعتبر لأنه لا دخل فيها لقدرة العبد واختياره فلم يجعل الحسن باعتبارها، واعترض بأن الوسائط هي دفع الحاجة، وقهر النفس وزيارة البيت، وهي باختياره لا نفس الحاجة وشهوة النفس وشرف الأمكنة مما لا دخل فيه لقدرة العبد، وأجيب بأن دفع الحاجة وقهر النفس وزيارة البيت نفس الزكاة والصوم والحج فكيف تكون وسائط حسنها، وإنما الوسائط هي الحاجة والشهوة وشرف المكان، ولا اختيار للعبد فيها وفيه نظر إذ الواسطة ما يكون حسن الفعل لأجل أحسنها، وظاهر أن نفس الحاجة أو الشهوة ليست كذلك فلهذا صرح المصنف رحمه الله تعالى بأن الوسائط هي لدفع القهر والزيارة المخصوصة، ولا خفاء في أنها ليست نفس الزكاة والصوم والحج، وفي عبارة فخر الإسلام رحمه الله تعالى أن الوسائط هي قهر النفس وحاجة الفقير وشرف المكان، والمقصود ما صرح به المصنف رحمه الله تعالى.

قوله: "يرد عليه" قد خرج بما ذكرنا الجواب عن هذا الإيراد، وهو أن حسن هذه العبادات الثلاث، وإن كان بغيرها بدلالة العقل إلا أن ذلك الغير في حكم العدم بناء على ما ذكرنا فصارت كأنها حسنة لا بواسطة أمر خارج عن ذاتها، فألحقت بما هو حسن لعينه كالصلاة، وجعلت من قبيل الحسن لمعنى في نفسه لا بمجرد كونه مأمورا به كما هو رأي الأشعري، وأما المصنف رحمه الله تعالى فقد أجاب بوجهين حاصل الأول أنا لا نجعل جهة حسنها كونها مأمورا بها بل نستدل بذلك على أنها حسنة في نفسها، وإن لم ندرك جهة حسنها كما أن الأمر المطلق يقتضي حسن المأمور به لمعنى في نفسه، وحاصل الثاني أن كل ما أمر به الشارع فالإتيان به حسن لذاته بمعنى أن العقل يحكم بأن طاعة الله تعالى وامتثال أمره حسن لذاته فيحسن الإتيان بالزكاة والصوم والحج لكونه إتيانا بالمأمور به، وعند الأشعري لا يحسن ذلك عقلا بل الشرع هو الذي يحكم بوجوب الطاعة وحسنها، فالحسن لمعنى في نفسه نوعان: نوع يكون حسنه لعينه أو لجزئه مع قطع النظر عن كونه إتيانا بالمأمور به كالإيمان والصلاة، ونوع يكون حسنه لكونه إتيانا بالمأمور به كالزكاة ونحوها، ويشترط في حسن هذا النوع أن يكون الإتيان به لأجل كونه مأمورا به حتى لو لم يكن كذلك لم يكن حسنا لمعنى في نفسه، وبهذا يندفع لزوم حسن جميع ما أمر به لجواز أن يؤتى به لا على قصد الامتثال كالوضوء للتبرد فيحسن لغيره لا لعينه، وبما ذكرنا من قيد قطع النظر عن كونه إتيانا بالمأمور به صار النوع الثاني مغايرا للنوع الأول، وإلا فالإتيان بالمأمور به أيضا حسن لعينه.

صفحه ۳۶۲