شرح التلويح على التوضيح لمتن التنقيح في أصول الفقه
شرح التلويح على التوضيح لمتن التنقيح في أصول الفقه
الاعتقاد الذي لا يطابق لما في نفس الأمر كاف للأفعال الاختيارية، وإما أن يجب بحسب اعتقاد الفاعل، وذا باطل أيضا إذ يفعل أفعالا مع عدم اعتقاد الرجحان كما في الهارب بل مع اعتقاد المرجوحية، ومن أنكر هذا فقد أنكر الوجدانيات فبطل قولهم إن غايته عدم العلم بالرجحان فإن عدم علم الفاعل بالرجحان كاف في هذا الغرض فعلم أن المراد بقولنا: إن الرجحان بلا مرجح باطل هو أن وجود الممكن بلا موجد محال سواء كان الموجد موجبا أو لا فالرجحان هو الوجود فقط لا أنه يصير راجحا قبل الوجود
...................................................................... ..........................
قوله: "مع أنه يمكن" الاستدلال على وجود الصانع بوجه لا يبتني على بطلان الرجحان بلا مرجح بأن يقال: لا بد من موجود لا يحتاج في وجوده إلى الغير قطعا للتسلسل إذ لو احتاج كل موجود إلى غيره لزم التسلسل إن ذهب إلى لا نهاية أو الدور، وإن عاد إلى الأول، والدور نوع من التسلسل بناء على عدم تناهي التوقفات، والاحتياجات فلذا اكتفى بذكره، وأقول: الموجود الذي لا يحتاج في وجوده إلى الغير لا يلزم أن يكون واجبا إلا على تقدير امتناع الرجحان بلا مرجح، وإلا لجاز أن يكون ممكنا، ولا يكون وجوده من ذاته، ولا من غيره بل يحصل بعد العدم بلا موجد فلا غنية عن هذه القضية، وإن لم يذكرها في اللفظ.
قوله: "وأيضا" يعني أن المتكلمين في مقام المنع لامتناع ترجيح أحد المتساويين، وإنما يذكرون المثال سندا للمنع أي لم لا يجوز ترجيح أحد المتساويين كما في الهارب من السبع يسلك أحد الطريقين المتساويين فإن قيل كيف يمنع نفس المدعى، قلنا: بل هو جزء من الدليل على كون الواجب موجبا بالذات فيجب على الحكماء إقامة الدليل على هذه القضية أو على كونها بديهية، وأما ما ذكره المصنف رحمه الله تعالى من أنه يجب إقامة البرهان على وجود المرجح في المثال المذكور فخارج عن قانون التوجيه إذ على المستدل البرهان على المقدمة الممنوعة لا على بطلان السند، وإن أورد المثال بطريق النقض كان على المتكلم الدليل على تخلف الحكم فيه، وإثبات عدم الرجحان، وليس للحكيم إلا منع التساوي أو عدم المرجح فيه.
قوله: "على أنا نقول" على سبيل التبرع بإثبات سند المنع، وبعد إثباته يكون نقضا لدعوى الحكماء، وتقريره ظاهر، والحاصل أن القول بالاحتياج إلى مرجح في نفس الأمر باطل قطعا إذ كثيرا ما يكون الطريق الذي يختاره الهارب مرجوحا مؤديا إلى مهالك، وسباع أكثر فبقي الاحتياج إلى مرجح بحسب علم الفاعل، واعتقاده فإذا سلموا في المثال المذكور أنه لا علم بالرجحان فقد حصل الغرض، وهو عدم المرجح في علم الهارب، واعتقاده فيه نظر؛ لأن عدم العلم بالرجحان في اعتقاده لا يستلزم عدم الرجحان في اعتقاده لجواز أن يكون راجحا في اعتقاده، وهو لا يعلم ذلك، ولا يلاحظه. فإن قلت قد سلم المصنف رحمه الله تعالى بطلان الترجيح بلا مرجح فكيف صح منه إثبات عدم المرجح في المثال المذكور؟ قلت: المسلم هو بطلان الإيجاد بلا موجد والمدعى في المثال المذكور عدم مرجح غير الفاعل، واختياره الذي به يصير أحد المتساويين راجحا ليؤثره الفاعل.
صفحه ۳۴۷