شرح المعالم في أصول الفقه
شرح المعالم في أصول الفقه
ویرایشگر
الشيخ عادل أحمد عبد الموجود، الشيخ علي محمد معوض
ناشر
عالم الكتب للطباعة والنشر والتوزيع
ویراست
الأولى
سال انتشار
١٤١٩ هـ - ١٩٩٩ م
محل انتشار
بيروت - لبنان
وَاعْلَمْ: أَنَّ جُمْهُورَ الْمُسْلِمِينَ احْتَجُّوا عَلَى وُقُوعِ النَّسْخِ؛ بِأَنْ قَالُوا: ثَبَتَ الْقَوَلُ بِنُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ فَصِحَّةُ نُبُوَّتِهِ مَوْقُوفَةٌ عَلَى صِحَّةِ حُصُولِ النَّسْخِ؛ فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ النَّسْخُ حَقًّا.
وَلقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: لَا نُسَلِّمُ أَنَّ صِحَّةَ نُبُوَّةِ مُحَمَّدِ ﵇ أَمْرٌ مُوْقُوفٌ عَلَى حُصُولِ النَّسْخِ؛ لأَنَّهُ لَا يَمْتَنِعُ أَنْ يُقَال: إِنَّ مُوسَى وَعِيسَى ﵉ نَصًّا عَلَى أَنَّ شَرْعَهُمَا يَبْقَى إِلَى ظُهُورِ شَرْعِ مُحَمَّدٍ ﷺ فَكَانَ انْتِهَاءُ شرْعِهِمَا جَارِيًا مَجْرَى قَوْلِهِ تَعَالى: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيلِ﴾ [البقرة: ١٨٧].
===
وخالفه الفخر أيضًا، والمعتزلة، وجمهورُ الفقهاء، وَرَدُّوه إلى بيانِ أمد الحكم، ولكل منهم معتمد.
والرَّدُّ عليهم يأتي في المسألة الثانية إِن شاء الله تعالى؛ حيثُ ذَكَرَهُ المُصَنِّفُ، وكان حَقُّهُ أنْ يذكره أولًا؛ لأن البحثَ في جوازِ النسخ ووقوعه فَرْعُ تَصَوُّرِهِ.
قوله: "المسألة الأولى: اتفق المسلمون على جواز النسخ ... ".
نُقِلَ عن طائفة من المسلمين مَنْعُهُ، وردُّوا جميع ما يُدَّعَى أنه نسخ إلى التخصيص.
وجمهورُ اليهودِ على امتناعه عقلًا، وذهب شِرذِمَةٌ منهم إلى امتناعه سمعًا.
قوله: "واعلم أَنَّ جمهورَ المسلمين احتجوا على وقوع النسخ بأَنْ قالوا: ثبت القول بنبوة محمَّد ﷺ وصِحَّةُ نُبُوَّتِهِ موقوفةٌ على النسخ؛ فَوَجَبَ أَنْ يكونَ النسخ حقًّا": هذا كلامٌ ليس على ظاهره؛ فإِنَّ نُبُوَّةَ محمَّد ﷺ لا تتوقف إلَّا على إِثبات المُعْجِزَةِ، وإنَّما مُرَادُهُ أنَّ ثبوتَ نبوة محمَّد ﷺ مع كونها ناسخةً لبعض الشرائع المتقدمة - موقوفةٌ على صِحَّةِ النسخ على هذا التقدير.
واعْتُرِضَ عليه: بأَنَّ هذا لا يُفِيدُ مع اليهودِ مع تكذيبهم لنبوةِ محمَّد ﷺ فلا تَثْبُتُ نبوتُهُ ما لم يثبتِ النسخُ، ولا يثبتِ النسخُ ما لم تثبت نبوتُهُ؛ فيدور.
والوجه أَنْ يُحَرَّرَ إِيرادُهُ فيقالُ: وُقُوعُ الخارِقِ على وَفْقِ دعوى المُتَحَدِّي، مع العَجْزِ عن معارضته- إمَّا أَنْ يَدُلَّ على صدق المتحدي أَوْ لا:
فإنْ لم يَدُلَّ على صِدْقِ المتحدي لَزِمَ أَلَّا يُصَدْقوا موسى، ﵇.
وإنْ دلَّ: لزم تصديقُ محمَّد ﷺ.
قوله: "ولقائِلٍ أَنْ يقول: لا نسلم أَنَّ صحةَ نبوةِ محمَّد ﷺ موقوفةٌ على النسخ؛ إِذْ يمكنُ أَنْ يقال: إِن موسى ﵇ نَصَّ على بقاءِ شَرْعِهِ إِلى ظهورِ شَرْعِ محمَّد ﷺ فكان انتهاءُ شَرْعِهِ جاريًا مجرى قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيلِ﴾ [البقرة ١٨٧] ":
هذا السؤال لا يمكن لليهود إيراده؛ لأَنَّ في ضمنه تصديق محمدٍ ﷺ وهم لا يُصَدِّقُونه؛ وإِنما هو شَكٌّ في هذه الحُجَّةِ، وقد يتمسك به مَنْ ينفي النسخ من المسلمين.
والرَّدُّ عليه بالحُجَج السمعية كما سيأتي إنْ شاء الله تعالى
2 / 35