السعادة والتوفيق
قال ابن القيم ﵀: [من سبقت له سابقة السعادة -أي: كتب من السعداء عند الله- دل على الدليل قبل الطلب] تقدم أن من صفة الله أنه: حنان منان، والمنان هو الذي يعطي النوال قبل السؤال فالله يمتن على عباده بنعم قد لا يذكرونها من طول الألفة.
فلم نسمع أن رجلًا طلب الله أن يرزقه الأكسجين، أو يهيئ له مخرجًا للفضلات، وكل ذلك وغيره أعطيه قبل أن يسأل.
فالإنسان حين يعدد النعم يجد أن الله قد أعطاه قبل أن يسأل فعندما يحب الله عبدًا، وهو معنى قوله: (سبقت له سابقة السعادة) وفق إلى مجالس العلم، واهتدى إلى العبادة والطاعة وهذا معنى قوله: دل على الدليل قبل الطلب، ثم يؤكد ابن القيم هذا المعنى فيقول: [إذا أراد القدر شخصًا بذر في أرض قلبه بذرة التوفيق] أي: عندما يحب الله عبدًا يضع في قلبه بذرة التوفيق، [ثم سقاه بماء الرغبة والرهبة] أي: جعل عنده ترغيبًا وترهيبًا، [ثم أقام عليه بأطوار المراقبة] أي: جعل في قلبه رقيبًا عليه من داخله، [واستخدم له حارس العلم]، فالعلم لابد أن يحرس العمل، فإن خلا العمل من العلم وقع العبد في الخطأ، يطوف حول قبر الحسين سبع مرات، والأصل أن لا يطاف إلا حول الكعبة ومن طاف حول قبر فقد أشرك بالله، وهذه مسألة لا نقاش فيها.
ثم يقول: [فإذا الزرع قائم على سوقه] فالمعنى: إذا أراد القدر شخصًا بالخير، بذر في أرض قلبه بذرة توفيق فيكون موفقًا لكل خير.
ثم قال: [من اتقى الله عاش سعيدًا وسار في بلاد الله آمنًا مطمئنًا] حتى وإن كانت حوله الأهوال، فإن قلبه مليء بالطمأنينة.
ولذلك المؤمن بطبيعته يستشري منه الخير لمن حوله، مثال ذلك: عندما يكون أحد راضيًا في البيت وبالذات الزوجة فإنها توزع الرضا على بقية أفراد الأسرة؛ لأن الزوجة هي ميزان البيت، لو كانت الزوجة ليست راضية فالبيت كله يكون في حالة قلق؛ لأنها إذا كانت راضية وزوجها زعلان فإنها تهون عليه وتلاطفه وتقول له: ربنا يكرمك، وعكس ذلك لو كانت المرأة ساخطة.
لذلك طلب سيدنا زكريا من ربنا أن يرزقه ابنًا وطلب فيه صفة واحدة: ﴿وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا﴾ [مريم:٦]، والرضي هو: الإنسان الراضي المرضي عنه من الله ومن الخلق؛ لشدة رضاه يوزع الرضا على من حوله، اللهم اجعلنا منهم يا رب.
وفي الأثر: يا داود! أنت تريد وأنا أريد فإن رضيت بما أريد أعطيتك ما تريد، وإن لم ترض بما أريد أتعبتك فيما تريد، ثم لا يكون إلا ما أريد، فإني فعال لما أريد.
كما أن معنى قولي: (أنا مسلم) أنني سلمت أمري لله، كما قال سبحانه: ﴿إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [البقرة:١٣١].
أي: صار مسلمًا أمره لله، وإذا كان هذا الإسلام حقيقيًا ينتقل إلى درجة الإيمان، وإذا كان الإيمان حقيقيًا ينتقل إلى درجة الإحسان، التي نحسب أن الحسن البصري كان عليها عندما كان يقول: أدعو الله فأرى يد الله تكتب لي الإجابة.
وفي زمننا هذا برغم كل المصائب التي نراها فإن الله بفضله وكرمه يعد للأمة أناسًا عندهم حالة الالتصاق بأمر الآخرة، حتى أن الدنيا عند أحدهم لا تساوي شيئًا، وتراه في ظاهر الأمر إنسانًا عاديًا جدًا، ولكن لديه قوة، ولا قوة إلا بالعلم وبالعمل وبالإخلاص وبالعبادة الحقة، فمثل هؤلاء هم الذين يمنعون الصواعق عن هذه الأرض، فاللهم أكثر منهم يا رب العباد واحشرنا في زمرتهم يا أرحم الراحمين يا رب العالمين.
وقوله: ثم سقاه بماء الرغبة والرهبة، يؤكد على ضرورة أن أكون راغبًا إلى الله وفي نفس الوقت خائفًا منه، قال تعالى: ﴿يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا﴾ [السجدة:١٦]، خوفًا من عذابه، وطمعًا في نعيمه، فيبقى بين حالتي: الرجاء والخوف، وقوله: (ثم أقام عليه بأطوار المراقبة)، يبين أن القلب لابد من مراقبة لخواطره والسعي لإزالة حجارته، قال سيدنا علي ﵁: غرس الزهد بقلبي شجره ثم نحى بعد جهد حجره أي أنه عمل مجهودًا إلى أن أزال من القلب حجره فصار القلب لينًا، فما تحجرت قلوبنا إلا من عدم التقوى والطاعة التي فيها.
فالأبيات: غرس الزهد بقلبي شجرة ثم نحى بعد جهد حجره وسقاها إثر ما أودعها كذب الدمع بدمع أهدره وإذا ما رأى طيرًا مفسدًا حائمًا حول حماها زجره أي أنه حين يرى طائر الطمع، أو طائر الدنيا يحوم حول الزهد زجره وأبعده، ثم يقول: نمت في ظل ظليل تحتها روع القلب ونحى ضجره ثم بايعت إلهي تحتها بيعة الرضوان تحت الشجره
4 / 13