Sharh al-'Aqidah al-Tahawiyyah - Nasir al-'Aql
شرح العقيدة الطحاوية - ناصر العقل
ژانرها
الحسن والقبح والثواب والعقاب
قال: [الثالث عشر: الحسن والقبح في الأفعال عقليان، والثواب والعقاب شرعيان: وقد ذهبوا في هذه المسألة مذهبًا وسطًا، وهو أن الأفعال في نفسها حسنة وقبيحة، كما أنها نافعة وضارة، وأن العقل يدرك الحسن والقبح في الأشياء، والله قد فطر عباده على استحسان الصدق والعدل والعفة والإحسان ومقابلة المنعم بالشكر، وفطرهم على استقباح أضدادها، لكن الثواب والعقاب شرعيان يتوقفان على أمر الشارع ونهيه، ولا يجبان عن طريق العقل].
مقصوده بذلك: أن الفلاسفة والمتكلمين من المعتزلة والجهمية ومن جاء بعدهم ممن اقتدى بهم يقولون: إن مسلك الحسن، يعني: حسن الأشياء أو استحسانها لدى البشر واستقباحها لدى البشر أمور تدرك بالعقل جملة وتفصيلًا، حتى لو لم يأت الشرع بذلك، وأهل السنة والجماعة لم ينكروا هذه القاعدة، لكنهم قالوا بأنه ليس الأصل في الأمور هو التحسين والتقبيح العقلي؛ لأن العقل لا يدرك كل شيء فيما يحسن وما يقبح، قد يدرك بعض الأشياء وتخفى عليه أشياء كثيرة، لاسيما أن كثيرًا من الأمور معلقة بالغيب، إما الغيب الماضي وإما الغيب المستقبل، فلو استقبح العقل شيئًا فلربما كان في علم الله في الغيب أن يكون هذا الشيء المستقبح في العقل حسنا فيما يأتي، والعكس كذلك، فربما استحسن شيئًا وهو في علم الله فيما سيقع قبيح، هذا أمر.
والأمر الآخر: أن التحسين والتقبيح العقليين مجملان ولا يدركان التفصيل، أي: تفصيل الشرائع وتفصيل ما يستحسن، فالواجب شرعًا والمستحب شرعًا أمور تفصيلية لا يدركها العقل مستقلًا، حتى وإن استحسنها كلها فإن استحسانه لها تبع للشرع؛ لأن الشرع لا يأتي إلا بما يوافق الفطرة، وكذلك العكس، فلو افترضنا أن الله لم ينزل الشرائع؛ فهل تدرك العقول لو اجتمعت كلها بجميع قواها تفصيلات ما يصلح للناس وما لا يصلح لهم في كل جزئيات السلوك وأمور الغيب والشهادة؟! لا يمكن.
إذًا: فالشرع لابد منه، والعقل يستحسن المستحسنات في الجملة، لكن لا على وجه التفصيل، ويستقبح المستقبحات في الجملة، لكن لا على وجه التفصيل؛ لأن العقل آلة تعتريها المؤثرات من الهوى والشبهات والشهوات، وأهم ذلك كله الفناء، فالعقل يفنى، والشرع لا يفنى، إلا إذا انقضت الدنيا وانتهى وقت الاختبار والابتلاء وبقيت الأمور للحساب، فإن الناس يحاسبون على هذه الأمور بمقتضى الشرع لا بمقتضى العقل.
فالمقصود أن أهل السنة والجماعة يوافقون على أن للعقل تحسينًا وتقبيحًا، لكن لا على وجه التفصيل، ولا يستغني البشر عن الشرع بالعقل، وليس كل ما يستحسنه العقل حسنًا، وليس كل ما يستقبحه العقل قبيحًا؛ لأن العقل آلة تعتريها الأمور التي ذكرتها من الهوى والسهو والنسيان والخطأ والضعف والمحدودية وغير ذلك.
1 / 4