فالمسرح في العصر الحديث يستعين بالوسائل الآلية على تذليل صعوبات الإضاءة وتبديل المناظر والدلالة على الأوقات والأماكن وتحريك الأدوات، ولكن هذه الصعوبات كانت في القرن السادس عشر عصية التذليل يتركونها أو يلقون عبئها على الممثل ليحتال عليها بما يدخل في دوره من كلام أو إيماء.
وكانوا يقيمون المسارح العامة مكشوفة بغير سقوف ويمثلون بالنهار في المكان الأوسط من مقاعد النظارة لتيسير الرؤية والسماع عليهم في جوانب الدار، ويقول الممثل شيئا في عرض الكلام ليدل على مواسم السنة أو ساعات الليل، وقد يكتفون بوضع مصباح مشعل للدلالة على أوقات الظلام، أو يستعينون بالشعر الوصفي لاستجاشة عواطف النظارة وتصوير بهجة الربيع أو جهامة الشتاء، ويسري أثر هذه الصعوبات المسرحية إلى أسلوب التأليف؛ فتكثر فيه الجمل المعترضة وعبارات الكناية والاستطراد التي نحسبها اليوم من الحشو والفضول، وهي في ذلك العصر من ألزم اللوازم للإبانة عن أغراض المؤلفين وأدوار الممثلين، وقد يكثرون من المناجاة المنفردة فلا يستغرب السامعون ذلك كما يستغربونه اليوم، وإنما يرجع هذا الاختلاف في التأليف إلى اختلاف وضع المسرح في القرن السادس عشر ووضعه في العصر الحديث؛ لأن المسرح الحديث في مكانه المستقل قائم على تجاهل النظارة في أماكنهم المفصولة عن خشبة المسرح، ولكن الممثل في القرن السادس عشر كان يقف في موضعه ويتحرك فيه من جانب إلى جانب وهو محوط بالنظارة في وضح النهار فلا يقع في خلده أن يتجاهلهم كأنهم غير موجودين، ويختلف أسلوب التأليف من جراء اختلاف الوضع المسرحي في أغراض عدة لا يشعر بها المؤلفون أو الممثلون في هذه الأيام، فإن صعوبة تبديل المناظر تلجئ المؤلف إلى ابتداء الكلام بدخول الممثل إلى المسرح وانتهائه بخروجه منه في أكثر الأحيان، ولا يبقى الممثلون على المسرح إلا إذا كان بينهم حوار متداول في المنظر الواحد، ولمثل هذا الغرض تخلو خشبة المسرح من الممثلين أحيانا ريثما يتبدل المنظر مع اتصال الموضوع، فتكتب الرواية في عشرين منظرا وتبلغ مناظرها الخمسين لضرورة التبديل والتحويل في معالم المكان.
وقد كانت لهذه الاختلافات آثارها في أسلوب التأليف وأسلوب التمثيل، بل في أسلوب النظر والسماع بين المشاهدين للتمثيل، فكان اشتراك المؤلف في التمثيل أو اشتراك الممثل في التأليف أمرا معهودا تتيسر له الصناعتان، وكانت الصناعتان معا أصعب منهما في العصر الحديث؛ لأنهما تحملان العبء الذي أعفي منه المؤلفون والممثلون بما اخترع في العصر الحديث من وسائل الفن وأدوات الصناعة، وكان المشاهدون للتمثيل يعلمون هذه الصعوبات فيصطلحون على الإغضاء وقبول المفارقات الحسية على علاتها ولا يحسبونها من مواضع النقد التي يطلبون اجتنابها؛ إذ كانوا يعلمون أن اجتنابها غير مستطاع.
وكانت هناك صعوبة أخرى غير الصعوبات المسرحية تواجه المؤلفين والمخرجين في تدبير أمر الممثلين الذين يؤدون أدوار النساء؛ لقلة النساء العارفات بالقراءة والكتابة ونفور المتعلمات من الاشتغال بصناعة التمثيل، فإذا تيسر إسناد أدوار الفتيات الأيفاع والفتيان الصغار، فليس إسناد دور الكهولة أو المرأة النصف إلى كهول الرجال بهذه السهولة، ولا سيما في الأدوار الطوال التي تبرز فيها أخلاق المرأة وعواطف جنسها؛ لاختلاف الصوت والسمت بين الجنسين في سن الكهولة، ويسري أثر هذه الصعوبة إلى أسلوب التأليف أحيانا فيضطر المؤلف إلى كتابة الأدوار النسائية على النحو الذي ييسر تمثيلها مع ملاحظة هذه الصعوبة والاحتيال عليها بالإيجاز وملاءمة المعاني والألفاظ. •••
وعلى هذا المسرح بدأ شكسبير الممثل عمله فأصاب حظا ثابتا من النجاح في بضع سنوات، ولكنه على ما يظهر لم ينشئ لنفسه شهرة ممتازة في نوع من الأدوار كالذين تخصصوا من زملائه لتمثيل الفواجع أو الفكاهات أو تمثيل أدوار الملوك والأحبار؛ لأن تخصصه لم يبلغ من قوة الظهور أن يسلكه بين طائفة من أصحاب الأدوار الخاصة دون طائفة، بل توسط في جميع الأدوار ولم يتفوق غاية التفوق في بعضها ولم يخفق في توسطه؛ لأنه استقر على المسرح طوال أيامه في العاصمة وعمل في أكبر الفرق التي تدعى للتمثيل في البلاط وتظفر بالرعاية الملكية في عهد اليصابات وعهد جيمس الأول، وذلك قسط من الإجادة في صناعة التمثيل لا يستكثر على شاب خارق الذكاء قضى أكثر من عشرين سنة يرقب المسرح في قريته في عهد كان يسمح للممثل أن يخلق قواعده ويبدع طريقته وفقا لضرورات مسرحه وعلى هدى القول الذي يلقيه المؤلف على لسانه، وهو يؤلف لنفسه ويغطي لمقاصد المؤلفين.
ومن المتفق عليه أن شكسبير مثل في مسرح الجلوب ومسرح الستار ومسرح الأخ الأسود، وعمل في فرقة ليسستر وقام ببعض الأدوار مع فرقة كبير الأمناء، وهي الفرقة التي يسأل عنها كبير أمناء القصر وتدعى للتمثيل على مسرح البلاط، وحضر إلى لندن وهو ممثل صغير يقال إنه لاذ بأبواب المسارح قبل أن يؤذن له بمعالجة التمثيل فيها، ثم فارق لندن بعد نحو عشرين سنة وهو ممثل كبير وشريك في أكثر من دار للتمثيل.
المؤلف
ولدت المسرحية الإنجليزية قبيل مولد شكسبير في منتصف القرن السادس عشر، وسميت بالمسرحية الحديثة لأنهم نظروا إليها نظرة المقابلة بين الفن الوطني الناشئ والفن الروماني العتيق في أواخر أطواره، عند زوال الدولة الرومانية.
وكانت المسرحية الحديثة فتحا كسائر الفتوح التي تتحقق بين المقاومة والرغبة، فلم تكن طريقها ممهدة سهلة، بل كانت هي التي فتحت الطريق ومهدته ولم تستغرق في ذلك وقتا يزيد على نصف قرن؛ لأن عوامل الإقبال كانت أكبر وأقوى من عوامل الإدبار، فظهرت المسرحيات الأولى حوالي سنة 1550 ولم يبدأ القرن السابع عشر حتى أوفت على التمام، فلم تزحزحها من مكانها إلا مسرحية جديدة أخرى جاءت في إبان عصر العلم الحديث، بين أواسط القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين.
كان التجديد في القرن السادس عشر غلابا ماضيا في طريقه بين محافظة المتطهرين وطلاقة الإنسانيين، وكان التمثيل كله رجسا منبوذا في رأي الأولين لا يبالي هذا الإنكار من جانبهم؛ لأنه كان على ثقة من مؤازرة العصر المقبل وعلى رأسه صفوة العلية النبلاء، وهم قادة العصر بفضل المعرفة وقادته بفضل الجاه في وقت واحد؛ فلم تعوقه مقاومة المتطهرين بل كانت من أسباب سرعته وانطلاقه، كأنها جذبة السهم من الوتر المشدود، تشده إلى الخلف لتدفعه إلى الأمام، ولولا ذلك لما بلغت المسرحية تمامها في ذلك الزمن الوجيز.
صفحه نامشخص