درختی که در بروکلین رشد میکند
شجرة تنمو في بروكلين
ژانرها
يا لها من ساعة ساحرة تلك التي يعرف الطفل فيها لأول مرة أنه يستطيع قراءة الكلمات المطبوعة، لقد ظلت فرانسي فترة ليست بالقصيرة تتهجى الحروف، تلفظها، ثم تجمع الأصوات معا لتصنع منها كلمة، ولكنها نظرت ذات يوم إلى صفحة، ورأت أن كلمة «فأر» لها معنى يتبادر للذهن لأول وهلة، ونظرت إلى الكلمة وتجمعت صورة فأر رمادي في مخيلتها، ثم نظرت بعد، فلما رأت كلمة جواد سمعته يضرب الأرض، ورأت ضوء الشمس فوق فروته اللامعة، وواتتها كلمة «يجري» فجأة فأخذت تتنفس بصعوبة كأنما هي بشخصها تجري، وانقشع الحجاب الذي كان يفصل بين الصوت الواحد لكل حرف والمعنى الكامل للكلمة، وأصبحت الكلمة المطبوعة تعني شيئا للنظرة الخاطفة، وقرأت صفحات قلائل في سرعة، واستبدت بها النشوة حتى كادت تمرض، وأرادت أن تصرخ بأعلى صوتها: لقد استطاعت أن تقرأ، لقد استطاعت أن تقرأ!
ومن يومها أصبح العالم ملكها بفضل القراءة، فإنها لن تكون وحيدة مرة أخرى، ولن تفتقد الأصدقاء الحميمين، وأصبحت الكتب أصدقاءها، تختار واحدا لكل حالة تمر بها، كانت تقرأ الشعر حين تنشد الصحبة الهادئة، وتقرأ قصص الحب حين دخلت طور المراهقة، وتقرأ سيرة من السير إذا أرادت أن تستشعر أنها قريبة لإنسان، وأقسمت في ذلك اليوم الذي استطاعت أن تقرأ فيه لأول مرة أن تقرأ كتابا واحدا لكل يوم طوال حياتها المقبلة.
وأحبت الأعداد والمقادير، وابتكرت لعبة يمثل كل عدد فيها فردا في أسرة والجواب هو جماعة في أسرة لها قصة، فالرقم صفر طفل يحمل على الذراعين ولا يسبب أية متاعب، وأينما ظهر فإنك تحمله فحسب، والرقم واحد طفلة جميلة بدأت تتعلم المشي ومن السهل العناية بها، والرقم اثنان طفل ذكر يستطيع أن يمشي ويتكلم قليلا، وقد دخل حياة الأسرة (أي في المسائل الحسابية إلخ) لا يسبب إلا متاعب قليلة، والرقم ثلاثة طفل أكبر في روضة أطفال تجب العناية به قليلا، ثم الرقم أربعة فتاة في سن فرانسي ومن السهل العناية بها مثل الرقم اثنين، والأم رقم خمسة حنون رحيمة، وكانت تأتي في المسائل الحسابية الكبيرة، وتيسر كل شيء على النحو الذي يجب أن تكون عليه الأم، والأب رقم ستة أصلب من الآخرين ولكنه عادل كل العدل، ولكن رقم سبعة متوسط، كان جدا مسنا سوداوي المزاج، ليس له حساب قط، والجدة رقم ثمانية قاسية أيضا، ولكنها أسهل فهما من رقم سبعة، وأصعب الجميع هو رقم تسعة، كان صديقا، وما أعسر أن تجعله يتلاءم مع متطلبات الحياة العائلية.
وحين تضيف فرانسي مقدارا فإنها تحدد قصة قصيرة تتمشى مع النتيجة، فإذا ما كان الجواب 924 فمعنى ذلك أن الصبي الصغير والفتاة يرعاهما راع، على حين خرجت بقية الأسرة إلى الخارج، وحين يرد رقم مثل 1024، فإنه يعني أن كل الأطفال الصغار يلعبون معا في الفناء ، وكان الرقم 62 يعني أن الأب أخذ الصبي الصغير في نزهة على الأقدام، والرقم 50 يعني أن الأم أخرجت الطفل في العربة الصغيرة ليشم الهواء النقي، والرقم 78 يعني أن الجد والجدة يجلسان في البيت بجوار المدفأة في إحدى ليالي الشتاء.
وكل مجموعة من الأرقام تمثل وضعا جديدا للأسرة، ولم تكن هناك قصتان متشابهتان أبدا.
وطبقت فرانسي هذه اللعبة على الجبر؛ فكان الرمز س هو حبيبة الفتى التي دخلت حياة الأسرة وعقدتها، وكان غ هو صديق الفتى الذي يسبب القلق والانزعاج، وهكذا أصبح علم الحساب في نظر فرانسي شيئا يفيض بالحياة والإنسانية، ويشغل ساعات كثيرة وحيدة من ساعات حياتها.
23
ومضت أيام الدراسة يوما إثر يوم، بعضها ينطوي على الحقارة والوحشية وانفطار القلب، والبعض الآخر يمضي مشرقا جميلا بفضل الآنسة بيرنستون والسيد مورتون، وهناك دائما السحر الذي يكتنف تعلم الأشياء.
وخرجت فرانسي في نزهة على الأقدام في يوم سبت من شهر أكتوبر وصادفها حي غير مألوف، حيث لم يكن هناك بيوت للسكن أو حوانيت حقيرة خشنة، وإنما هناك بيوت قديمة ولا تزال قائمة حين كان واشنطن يجري هو وجيوشه مناورات عبر لونج أيلاند، وكانت البيوت عتيقة آيلة للسقوط ولكنها محاطة بأسوار من الأوتاد لها بوابات اشتاقت فرانسي أن تهزها، وهناك أزهار مشرقة من أزهار الخريف في الفناء الأمامي، وأشجار الأسفندان على منعطف الطريق بأوراقها الصفر والحمر القانية، والحي يظهر عتيقا هادئا رصينا في شمس يوم السبت، ويتسم بشيء من الحنان، هادئ، عميق، لا يعترف بالزمن، يعلوه سلام واهن عدت عليه الأيام، وشعرت فرانسي بالسعادة كأنها قد رنت مثل أليس في المرآة السحرية، نعم كانت في عالم مسحور.
ومضت في سيرها حتى صادفت مدرسة صغيرة عتيقة، يتألق الآجر القديم الذي شيدت به بلون العقيق في شمس الأصيل، ولم يكن يحيط بفناء المدرسة سور، وكانت ملاعبها من العشب لا من الأسمنت، ونظرت عبر المدرسة فوجدت ريفا يكاد يكون مكشوفا، بل مرجا مزهرا بنبات العود الذهبي، وزهرات النجيم البرية ينمو فيها البرسيم.
صفحه نامشخص