شاعر أندلسي وجائزة عالمية
شاعر أندلسي وجائزة عالمية
ژانرها
2
وفيه يقول عن هذا الرأي من فصل أفرده للعهد العربي:
إننا إذا طالعنا سير الشعراء العرب على عهد ملوك الطوائف وجدنا أنهم قد أتقنوا هذه الصناعة - صناعة المديح والهجاء - وأنهم كانوا لا يفتأون يتنقلون ولا يكفون عن التطواف - وهو قوام نحلة الشعراء الجوالين - لينزلوا بساحة هذا الأمير إن لم ينفحهم ذاك الأمير بالعطاء، وأي مأثرة من المآثر يحمدونها في قصيدهم؟ إنها مأثرة الكرم؛ إذ هي الصفة التي لا تتم بغيرها صفة الشجاعة، ولا صفة العزة، ولا صفة من صفات الإمارة، فلا غنى للأمير عن منح الهبات، وبهذه الهبات من الذهب والجوهر الذي كان يبذل للشعراء إجازة لهم وجزاء على مديحهم تتجاوب الأحاديث بين أرجاء الشرق بأسره. ونعود إلى الشعراء الجوالين، فنرى أن أشعارهم قد نشأت في ظروف جد قريبة من هذه الظروف بين قصور أمراء الإقطاع من فرنسا الجنوبية، فقد بطلت قبيل أواخر القرن الحادي عشر عادة ادخار الذهب والفصوص الكريمة والإنفاق من غلات الأرض، وخلفتها نزعة جديدة إلى البذخ والزهو بالحلل والأسلحة والأناشيد، وأصبح نظم الأبيات والمقطوعات من السنن المألوف المستحب إلى جانب الغرب الجنوبي من فرنسا، فظهر الشاعر الجوال في مكان المهرج الوضيع، وارتفع الشعر الأوروبي لأول مرة بعد عصر الإمبراطور أغسطس إلى منزلة اجتماعية ذات خطر يعسر علينا أن نشك فيما كان للمسلمين الإسبان من أثر فيه، فإنما كانت سيرتهم هي القدوة التي اقتدى بها أمراء الإقطاع.
إلا أن هناك فكرة أخرى تستقر في أساس أدب الشعراء الجوالين، وتتطور في شعر دانتي وبترارك، وترجع كذلك إلى مصدرها الإسلامي، وهي فكرة الحب المثالي الأفلاطوني، أو حب أهل السمت والرياسة، فكرة الحب كأنه طاعة وولاء خلافا لحب الأخذ والاستيلاء، وقد يدهش من يسمع بأن حبا كهذا ينجم من معدن الحياة الحسية التي تنسب إلى المسلمين؛ فإن إسفاف مستوى الدراسات العربية بأوروبة لم يهيئ أذهاننا لقبول فكرة كهذه الفكرة، ولكن الدراسات الأخيرة تعلمنا أنها حقيقة لا محل للشك فيها؛ إذ نقرأ - مثلا - عن شاعر قرطبي هام بجارية فتاة لم يبصرها غير لحظات معدودات، فأصبحت مصدر وحيه وإلهامه طوال أيام حياته، ووصف لنا ابن حزم هواه الأفلاطوني لفتاة رآها وهو بعد غلام صغير، فظلت صورتها تعاوده وتذكي قريحته سنوات عدة بعد ذلك، وشرح لنا في كتابه الذي ألفه سنة 1022 أمثلة من الحب الخاضع المستسلم الذي يعم الشعر العربي، كأنما المحب مجند في سبيل الجهاد لا إرادة له إلا أن يطيع، فكل واجبه أن يسلم زمامه لحبيبته ولها هي أن تعذبه وتذيقه الألم والموجدة، ويقول ابن اللبانة - مثلا - إن حبيبته كالسيف المصلت الذي يمزق فؤاده، وفؤاده مع هذا يفيض بحلاوة هواها والشوق إليها، وهذه النغمة المولعة بالألم تعم شعر القرن الحادي عشر أينما كان، فلا يزال المحب يخضع للتحكم والهوان من إعراض حبيبته حتى ليسقم وينحل أو يقضي نحبه كالشهيد، وعلى هذا النحو نقرأ لابن سهل اليهودي الذي دان بالإسلام وتوفي بإشبيلية (سنة 1251) أنه جمع بين ذلين لأنه يهودي وعاشق، وعلى هذا النحو نقرأ لابن زيدون قوله في الأميرة ولادة:
بيني وبينك ما لو شئت لم يضع
سر إذا ذاعت الأسرار لم يذع
يا بائعا حظه مني ولو بذلت
لي الحياة بحظي منه لم أبع
يكفيك أنك لو حملت قلبي ما
لم تستطعه قلوب الناس يستطع
صفحه نامشخص