سیف یمانی

السيف اليماني لمن قال بحل سماع الآلات والمغاني

مناطق
مصر
•
امپراتوری‌ها و عصرها
عثمانیان

بسم الله الرحمن الرحيم

... قال شيخنا الإمام العلامة أبو يحيى مصطفى البرلسي المالكي الأزهري الشهير بالبولاقي حفظه الله تعالى ، ولطف به وبالمسلمين يوم التلاقي .

... الحمد لله الذي يقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق ، وأرسل رسوله بالهدى ودين الحق ؛ ليظهره على الدين كله ولو كره المعاند والمنافق ، والصلاة والسلام على من بعث ليتمم مكارم الأخلاق ، المطهر شرعه عن كل رذيلة ، وخصلة ذميمة ، يستحلها الفساق ، وعلى آله وأصحابه والتابعين ، خصوصا من أراد الله به الخير ، ففقهه في الدين ، أما بعد ....

صفحه ۱

... فقد بلغنا عن ثغر الإسكندرية (¬1) المحروس ، وقاه الله من السوء والبؤس ، أنه قد ظهر به عالم يفتي بإباحة سماع الغناء بالآلات ذوات الأوتار ، وأنه نسب ذلك لمذاهب الأئمة ، وبعض الصحابة ، وعلماء الأمصار ، وأنه شنع على من أنكر ذلك ، وقال بالتحريم ، فقلنا : سبحان الله هذا بهتان عظيم ، وكذبنا الناقل واتهمناه ، وأعرضنا عن حديثه وطرحناه ؛ لكونه ذكر رجلا كنا نظن فيه العلم والعقل والدين ، وما كنا نتهمه بشيء من مجون الجهلة والمجانين ، إلى أن وصلت إلينا فتيا بخطه ، وهو عندنا معروف ، فتحققنا أن النقل كان على الصحة بمقتضى الخط والحروف ، وجعلت أقول : إنا لله وإنا إليه راجعون ، وربك يصلح ما تكن صدورهم ، وما يعلنون ، وأخذت أتأملها سطرا سطرا ، وأقدم في شأنها رجلا وأؤخر أخرى ، ثم انقدح في نفسي أن الكتب في شأنها مطلوب ، وأنه إن لم يكن واجبا فهو مندوب ، لأن الأمر وإن كان أظهر من أن يخفى على العالم الكامل ، لكن لفساد الوقت ، وزخرفة القول ، قد يخفى على القاصر والجاهل ، لكني أقتصر من ذلك على مذهبي الذي أشتغل بحفظه ونقله ، وغير مذهبي يسأل عنه من أهله ، فأقول ، وبالله أستعين :

صفحه ۲

نص سؤال الفتيا : ما قولكم أدام الله / النفع بكم ، في رجل شهرعنه 3 أنه من العلماء المالكية ، دخل في مجلس أحد الوزراء في وليمة عرس ، متعلق بسعادة ذلك الوزير ، وكان في ذلك المجلس جماعة من العلماء حنفية ومالكية ، وكان سعادة ذلك الوزير يرقه أمر بإحضار الموسيقى، وضربهم وغنائهم عليها ، فضربوا وغنوا بغناء خال من الفحش ، من كلام العارف بالله سيدي علي وفاء رضي الله عنه ، فأنكر الرجل الداخل على من كان بذلك المجلس ؛ حتى شافههم بالسب، وأبطل الغناء ، وأقام أصحاب الموسيقى من ذلك المجلس ، فهل إنكاره ذلك ليس في محله بالنسبة للمذاهب الثلاثة : أبي حنيفة ، ومالك ، والشافعي رضي الله عنهم ؛ لكون الغناء المذكور خال من الفحش ، مع أن المسألة خلافية في المذاهب المذكورة ؟

أفيدونا الجواب بالتوضيح ، والنص الصريح من نقول المذاهب الثلاثة المذكورة ، حتى نعلم حكم الله في ذلك ، ولكم الثواب من الملك الوهاب .

صفحه ۳

ونص المقصود من الجواب : وأما على مذهب المالكية فلأن سماع الأوتار قد ذهب إلى إباحته جمع من علمائهم ، حكى الإمام ابن عرفة (¬1) في مختصره المشهور عن ابن حبيب (¬2) إباحة سماع المزهر ، وهو العود كما في القاموس ، وابن حبيب أحد الأئمة المجتهدين في مذهب مالك بل نقل حضور مجلس العيدان عن الإمام مالك رضي الله عنه ، نقل الإمام ابن عرفة في مختصره المذكور عن تاريخ الخطيب أبي بكر بن ثابت ، فذكر أن إبراهيم بن سعد المدني قدم العراق فأكرمه الرشيد ، فسئل عن الغناء ، فأفتى بإباحته ، فأتاه بعض المحدثين ليسمع منه أحاديث الزهري ، فسمعه يغني ، فقال : كنت حريصا على السماع منك ، فأما الآن فلا سمعت منك حرفا أبدا ، فقال : إذا لا فقدت إلا شخصك علي ، وعلى أن حدثت ببغداد ما أقمت حديثا حتى أغني قبله ، فبلغ ذلك الرشيد ، فدعي به ، فسأله عن حديث المخزومية التي قطعها رسول الله صلى الله عليه وسلم / في سرقة الحلي ، فدعا بعود ، فقال الرشيد : أعود المجمر4 ، فقال : لا ، ولكن عود الطرب ، فتبسم ، ففهمها إبراهيم بن سعد ، فقال له بلفظ يا أمير المؤمنين حديث الذي ألجأني إلى أن حلفت ، قال : نعم ، فدعا له الرشيد فغناه :

يا أم طلحة إن البين قد أفدا قل الثواء لئن كان الرحيل غدا (¬1)

فقال له الرشيد : من كان من فقهائكم يكره السماع ، فقال : من ربطه الله ، فقال : هل بلغك عن مالك بن أنس في ذلك شيء ، قال : لا والله ، إلا أني أخبرني مخبر أنهم اجتمعوا في مدعاة كانت في بني يربوع ، وهم يومئذ جلة ، ومالك أقلهم في فقهه وقدره ، ومعهم دفوف ومعازف وعيدان ، ويلعبون ، ومع ملك دف ، وهو يغنيهم :

... ... ... سليمى أزمعت بينا فأين تظننا أينا

... وقد قالت لأتراب لها زهر تلاقينا

صفحه ۵

تعالين فقد طاب لنا العيش تعالينا (¬2) فضحك الرشيد ، ووصله بمال عظيم ، ثم قال الإمام ابن عرفة : قلت إمامة أبي بكر الخطيب وعدالته ثابتة ، وإبراهيم بن سعد خرج له أهل الكتب الستة ، انتهى.

وهذا التعديل من ابن عرفة مشعر بميله إلى الإباحة ، وقال الإمام أبو بكر ابن العربي المالكي في شرحه على سنن الترمذي لما تكلم على إباحة الغناء ، وإن انضاف إلى ذلك عود فهو داخل في قول أبي بكر الصديق رضي الله عنه : مزمار الشيطان في بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم (¬1) : ( دعهم فإنه يوم عيد )، فلا يؤثر في التحريم ، فإنها كلها آلات تقوى بها قلوب الضعفاء ، وتستروح النفوس بها ، وألف الأستاذ أبو المواهب التونسي رسالة في إباحة السماع ، حكى فيها سماع الأوتار عن جمع من الصحابة والتابعين ، فذكر منهم عبد الله بن عمر ، وعبد الله بن جعفر ، وعبد الله بن الزبير، ومعاوية بن أبي سفيان ، وعمرو بن العاص ، وخارجة بن زيد ، وعبد الرحمن بن حسان، وسعيد بن المسيب ، وعطاء بن أبي رباح، والشعبي ، وابن أبي عتيق ، وأكثر فقهاء المدينة ، انتهى .

صفحه ۶

وأبو المواهب المذكور من أعيان علماء المالكية ، وأحد / أقطاب5 العارفين الشاذليه ، ذكره الإمام الشعراني في طبقات الصوفية ، وطول ترجمته ، ثم قال : وغير خاف على من له حظ من علم أنه حيث كانت مسألة سماع الأوتار من المسائل التي حكي فيها الخلاف عن الصدر الأول وغيرهم من الصحابة والتابعين فمن بعدهم من مشايخ المذاهب ، فسبيلها سبيل غيرها من المسائل الاجتهادية ، التي لا تتجه فيها الأنظار ؛ لأن اختلاف العلماء رحمة من الله تعالى ، كما جاءت به الأخبار التي عمل بها الأئمة الكبار ، ومنهم الإمام مالك رضي الله عنه ، فقد روى الخطيب في تاريخه أن هارون الرشيد قال لمالك بن أنس : يا أبا عبد الله نكتب هذه الكتب ، ونفرقها في آفاق الإسلام ، فنحمل عليها الأمة ، كل يتبع ما صح عنده ، وكل على هدى ، وكل يريد الله ، وقد نص جمع من مشايخنا الحنفية وغيرهم أنه إنما ينكر ما أجمع العلماء على تحريمه ، فأما الأمور التي اختلف العلماء في تحريمها وإباحتها فليست من المنكر الذي يجب تغييره وإنكاره ، وأن اللازم لكل مجتهد أن يتبع ما أدى إليه اجتهاده ، ولا ينكر على من خالفه فيه ، وأما غير المجتهد فعليه أن يقلد من سكنت إليه نفسه من المجتهدين ، والمحققون على أنه يجوز لغير المجتهد الترخص برخص المذاهب ، والاتفاق على جواز التقليد لغرض صحيح ، بل قالوا باستحبابه في مواضع ، من جملتها إذا كان فيه إكرام من يستحق الإكرام ، كما في واقعة السؤال ، فظهر بما حررناه أن من هتك حرمة مجلس ، أو هتك الأعيان ، وأسرف في إنكار ما أباحه جمع كثير من علماء السلف والخلف ، فهو الذي ارتكب المنكر ، إذ تصدى لما لم يحط به خبرا ، فوبخ ورذل ، وحز في غير مفصل ، كيف ومن شرط العالم ألذي يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر أن يكون عارفا بمواضع الخلاف والإجماع ، حتى لا ينكر ما رخص فيه بعض العلماء ، ويقطع بما لا قاطع فيه ، فيدخل تحت إنكار قوله تعالى [ أتقولون على/ الله ما6 لا تعلمون] (¬1) ، وأن يستعمل الرفق واللين كما بيناه في شرحنا على الدر المختار ، لقوله تعالى [فقولا له قولا لينا لعله يتذكر أو يخشى] (¬2) أمر تعالى باستعمال اللين مع فرعون أطغى الطغاة في ارتكابه أعظم المنكرات ، الذي هو دعوى الربوبية ، فمن استعمل الغلظة والفظاظة في إنكار أمر مختلف فيه فقد خرج عن مقتضى الشرع من كل وجه ، ونابذ الأدب الإلهي من كل وجه ، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل ، انتهى المراد منه .

صفحه ۸

أقول بحمد الله معتصما به ، متوكلا عليه : ما زعمه هذا المفتي من أن جماعة من علماء المالكية ذهبوا إلى إباحة سماع الأوتار تقول عليهم باطل ، فقد ذكر أبو العباس أحمد القرطبي أن القول بالإباحة لا يعرف إلا لإبراهيم بن سعد ، والعنبري ، ونص المراد من رسالته ، كشف القناع في أحكام السماع : اعلم أن ما يقال عليه غناء على ضربين ، أحدهما ضرب جرت عليه عادة الناس باستعماله عند محاولتهم أعمالهم ، وحملهم أثقالهم ، وقطع مفاوز أسفارهم ، يسلون بذلك نفوسهم ، وينشطون به على مشقات أعمالهم ، ويستعينون بذلك على مشاق أشغالهم ، كحداء الأعراب بإبلهم ، وغناء النساء لتسكين صغارهن ، ولعب الجواري بلعبهن يوم العيد ، وما شاكل ذلك ، فهذا النحو إذا سلم المغني به عن ذكر الفواحش والمحرمات، كوصف الخمر والقينات، فلا شك في جوازه ، وربما يندب إليه إذا حصل منه ما ينشط على أعمال البر ، ويرغب في تحصيل الخير ، كالحداء في الحج والغزو ، إلى أن قال : والضرب الثاني غناء يستعمله المغنون العارفون بصنعة الغناء ، المختارون لما رق من غزل الشعر ، الملحنون له بالتلحينات الأنيقة ، المقطعون له على النغمات التي تهيج النفوس وتطربها ، كحميات الكؤوس ، فهذا هو الغناء المختلف فيه على أقوال ثلاثة : أحدها أنه محرم ، وهو مذهب مالك ، قال أبو إسحاق الصباغ : سألت مالكا عما يترخص فيه / أهل المدينة من الغناء فقال : إنما يفعله عندنا الفساق 7 وقال : إذا اشترى جارية ، فوجدها مغنية كان له ردها بالعيب ، وهو مذهب سائر أهل المدينة في الغناء إلا إبراهيم بن سعد وحده ، فإنه كان لا يرى بالغناء بأسا ، وإلى تحريم ذلك ذهب أبو حنيفة ، وأهل العراق ، وإبراهيم النخعي ، والشعبي ، وحماد ، وسفيان الثوري ، وغيرهم ، لا اختلاف بينهم في ذلك ، وقال الحارث المحاسبي : الغناء حرام كالموسيقى ، إلى أن قال القول الثالث : الإباحة ، وهو المروي عن إبراهيم بن سعد ، والعنبري ، وهما شاذان ، ولا يلتفت إليهما ، لقوله صلى الله عليه وسلم (¬1) ( إن الشيطان مع الواحد ، وهو من الاثنين أبعد ) ، ولأن العنبري مبتدع في اعتقاده ، وهو غير مرضي في علمه ، وإبراهيم بن سعد ليس من أهل الفتيا ، وقد حكى أبو طالب المكي الإباحة عن جماعة من الصحابة : عبد الله بن جعفر ، وابن الزبير ، والمغيرة ، ومعاوية ، وغيرهم ، وقد فعل ذلك كثير من السلف صحابي ، وتابعي ، وقال : لم يزل الحجازيون عندنا بمكة يسمعون السماع في أفضل أيام السنة ، وهي الآيام المعدودات ، قال المعلى رحمه الله تعالى : وهذا إن صح فإنما هو مسموع على سماع النوع الأول لا الثاني ، وقد حكاه بعض الشافعية ، والقشيري عن مالك ، ولا يصح عنه بوجه ، ولا عن أحد من أصحابه ، ثم قال بعد نحو عشرين ورقة: المسألة الرابعة في حكم سماع آلات اللهو ، أما المزامير والأوتار والكوبة ، وهو طبل طويل ، ضيق الوسط ، ذو رأسين ، يضرب به المخانيث ، فلا يختلف في تحريم سماعه ، ولم أسمع عن أحد ممن يعتبر قوله من السلف ، وأئمة الخلف أنه يبيح ذلك ، وكيف لا يحرم سماع ذلك ، وهو شعار أهل الخمور والفسوق ، ومهيج للشهوات والفساد والمجون ، وما كان كذلك لم يشك في تحريمه ، ولا في تفسيق فاعله وتأثيمه ، انتهى .

وقد بسط الأدلة ، ورد أدلة الخصم ، وأشنع القول في ذلك ، فليراجعها من أحب .

صفحه ۱۰

وقال ابن الحاج في المدخل ما نصه : إن السماع / المعروف عند8 العرب هو رفع الصوت بالشعر ليس إلا ، فإذا فعل أحدهم ذلك ، قالوا : عمل السماع ، وهو اليوم على ما يعهد ويعلم ، ولأجل هذا قال الشيخ الإمام رزين الدين رحمه الله تعالى : ما أتى على بعض المتأخرين إلا لوضعهم الأسماء على غير مسمياتها ، وهو ذا بين ، ألا ترى أن السماع كان على ما تقدم ذكره ، وهو اليوم على ما نعانيه ، وهما ضدان لا يجتمعان ، ثم إنهم لم يكتفوا بما ارتكبوه ، حتى وقعوا في حق السلف الماضين ، رضي الله عنهم ، ونسبوا إليهم اللعب واللهو في كونهم يعتقدون أن السماع الذي يفعلونه اليوم ، هو الذي كان السلف رضوان الله تعالى عليهم يفعلونه ، ومعاذ الله أن يظن هذا بهم ، ومن وقع له ذلك فيتعين عليه أن يتوب ويرجع إلى الله ، وإلا فهو هالك ، ثم قال : وقد قال الشيخ أبو عبد الله القرطبي رحمه الله في تفسيره حين تكلم على قصة السامري في سورة طه : سئل الإمام أبو بكر الطرطوشي رحمه الله ما يقول سيدي الفقيه في مذهب الصوفية : واعلم حرس الله مددك أنه يجتمع جماعة من رجال ، فيكثرون من ذكر الله ، وذكر محمد صلى الله عليه وسلم ، ثم إنهم يوقعون بالقضيب على شيء من الأديم ، ويقوم بعضهم، ويتواجد حتى يقع مغشيا عليه ، ويحضرون شيئا يأكلونه ، هل الحضور معهم جائز ، أم لا ، أفتونا يرحمكم الله ، وهذا القول يذكرونه :

يا شيخ كف عن الذنوب ... قبل التفرق والزلل

واعمل لنفسك صالحا ... ما دام ينفعك العمل

أما الشباب فقد مضى ... ومشيب رأسك قد نزل

وفي مثل هذا وجوه ، الجواب :

صفحه ۱۱

يرحمك الله ، مذهب الصوفية بطالة وجهالة وضلالة ، وما الإسلام إلا كتاب الله وسنة رسوله ، وأما الرقص والتواجد فأول من أحدثه أصحاب السامري لما اتخذ لهم عجلا جسدا له خوار ، فقاموا يرقصون حواليه ، ويتواجدون ، فهو دين الكفار ، وعباد العجل ، وأما القضيب فأول من اتخذه الزنادقة ؛ ليشغلوا به المسلمين عن كتاب الله تعالى ، وإنما كان مجلس النبي صلى الله عليه وسلم مع / أصحابه كأنما على رؤوسهم الطير من الوقار ، 9 فينبغي للسلطان ونوابه أن يمنعهم من الحضور في المساجد وغيرها ، ولا يحل لأحد يؤمن بالله واليوم الآخر أن يحضر معهم ، ولا يعينهم على باطلهم ، هذا مذهب مالك وأبي حنيفة والشافعي وأحمد ، وغيرهم من أئمة المسلمين ، وقال أيضا في كتابه المسمى النهي عن الأغاني : وقد كان الناس فيما مضى يستتر أحدهم بالمعصية إذا واقعها، ثم يستغفر الله ، ويتوب إليه منها ، ثم كثر الجهل ، وقل العلم ، وتناقص الأمر حتى صار أحدهم يأتي المعصية جهارا ، ثم ازداد الأمر إدبارا حتى بلغنا أن طائفة من إخواننا ، وفقنا الله وإياهم ، استزلهم الشيطان ، واستغوى عقولهم في حب الأغاني ، واللهو ، وسماع الطقطقة ، فاعتقدته من الدين الذي يقربهم إلى الله تعالى ، وجاهرت به جماعة المسلمين ، وشاقت به سبيل المؤمنين ، وخالفت العلماء والفقهاء ، وجملة الدين [ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيرا] (¬1) ، وقد سئل مالك رحمه الله عما يترخص فيه أهل المدينة من الغناء ، فقال : إنما يفعله الفساق ، ونهى عن الغناء واستماعه ، وأما أبو حنيفة فإنه يكره الغناء ، ويجعله من الذنوب ، وذلك مذهب أهل الكوفة سفيان ، وحماد ، وإبراهيم ، والشعبي ، لا اختلاف بينهم في ذلك ، إلى أن قال : وكان الشافعي رضي الله عنه يكره الطقطقة بالقضيب ، ويقول : وضعته الزنادقة ليشغلوا به عن القرآن ، وأما العود والطنبور وسائر الملاهي فحرام، ومستمعه فاسق ، ثم قال : فصل ، فإن قيل أليس قد روي عن جماعة من الصالحين أنهم سمعوه ، قلنا : ما بلغنا أن أحدا من السلف الصالح فعله، وهذه مصنفات أئمة الدين ، وأعلام المسلمين ، مثل مصنف مالك بن أنس وصحيح البخاري ، ومسلم ، وسنن أبي داود ، وكتاب النسائي / رضي الله عنهم إلى غيرها خالية من دعواكم ، وهذه10 تصانيف فقهاء المسلمين الذين تدور عليهم الفتيا قديما وحديثا في شرقي البلاد وغربيها ، فقد صنف المسلمون على مذهب مالك تصانيف لا تحصى ، وكذلك مصنفات علماء المسلمين على مذهب أبي حنيفة ، والشافعي ، وأحمد بن حنبل ، وغيرهم من فقهاء المسلمين ، كلها مشحونة بالذب (¬1) عن الغناء ، وتفسيق أهله ، فإن كان فعله أحد من المتأخرين فقد أخطأ ، ولا يلزم الاقتداء بقوله ، وترك الاقتداء بالأئمة الراشدين ، ومن هنا زل من لا بصيرة له ، نحتج عليهم بالصحابة والتابعين ، وعلماء المسلمين ، ويحتجون علينا بالمتأخرين ، سيما وكل من يرى هذا الرأي الفاسد خلو من الفقه ، عاطل من العلم ، لا يعرف مأخذ الأحلام ، ولا يفصل الحلال من الحرام ، ولا يدرس العلم ، ولا يصحب أهله ، ولا يقرأ مصنفاته ، ولا دواوينه ، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم (¬1) ( ما استرذل الله عبدا إلا حظر عليه العلم ) فمن هجر أهل العلم والحكمة ، وانقضى عمره في مخالطة أهل اللهو والبطالة كيف يؤمن على هذه المسألة وغيرها ، [وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله] (¬2) فيا من رضي لدينه ودنياه , وتوثق لآخرته ومثواه باختيار مالك بن أنس باختيار مذهبه إن كنت على مذهبه ، أو باختيار أبي حنيفة والشافعي وأحمد إن كنت على مذهبهم، كيف هجرت اختيارهم في هذه المسألة ، وجعلت أمامك فيها شهواتك ، وبلوغ أوطارك ، ولذاتك [وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون ] (¬3) انتهى المراد منه، وهو في هذا المعنى بحرلا تنقضي عجائبه ، وفيما نقلناه كفاية ، ومن أراد الزيادة فليرجع إليه ، ولا يخفى أن الإنكار إنما هو على الصوفية الكاذبين ، وأما أهل الرسوخ والتمكين فمعاذ الله أن ينكر عليهم أحد ، فإنهم صفوة الأمة ، وخيار المسلمين ، وأكثر العلماء منهم ، وقد بين مذهبهم أتم البيان في هذا الكتاب ، وذكر كلاما ما رأيت / أحسن منه ، 11 فراجعه إن شئت ، ولنرجع لكلام المفتي ، فنقول :

قوله : حكى الإمام ابن عرفة في مختصره عن ابن حبيب إباحة سماع المزهر ، وهو العود ، كما في القاموس .

صفحه ۱۴

من عجائب الغرائب ، فإن نسبة هذا الفرع لابن حبيب في أكثر الكتب المتداولة ، ومعناه ما ذكره الفقهاء ، ففي نقل الحطاب عن الأبي ما نصه : تنبيه : المعروف في اللغة أن المزهر العود ، ولم أر من أهل اللغة من ذكر خلافه ، وكتب الفقهاء مخالفة ذلك ، فإنهم إنما يعنون به الدف المربع المغلوق ، وصرح به يحيى بن مزين المالكي ، انتهى ، ونقله عن الأجهوري ، ونقل عن الجزولي أنه فسره بالمربع المغشى من الجهتين ، انتهى ، وهو بمعناه ، فيا عجبا لمن يدعي العلم والتحصيل ، يستدل على أحكام الشريعة بما في القاموس ، ويترك كتب الفقه الموضوعة لذلك .

صفحه ۱۵