327

صيد الخاطر

صيد الخاطر

ناشر

دار القلم

ویراست

الأولى

محل انتشار

دمشق

مناطق
عراق
امپراتوری‌ها و عصرها
عباسیان
عطاءً منه لك؛ فإنه لم يمنعك بخلًا، إنما منعك لطفًا. فرأيته كلام من قد عرف الحقائق.
١٠٦٦- فإن الإنسان قد يريد المستحسنات الفائقات فلا يقدر، وعجزه أصلح له؛ لأنه لو قدر عليهن، تشتت قلبه، إما بحفظهن، أو بالكسب عليهن. فإن قوي عشقه لهن؛ ضاع عمره، وانقلب هم الآخرة إلى الاهتمام بهن. فإن لم يردنه، فذاك الهلاك الأكبر. وإن طلبن نفقة، لم يطقها؛ كان سبب ذهاب مروءته وهلاك عرضه. وإن أردن الوطء، وهو عاجز، فربما أهلكنه أو فجرن. وإن مات مشعوقه، هلك هو أسفًا. فالذي يطلب الفائق يطلب سكينًا لذبحه، وما يعلم.
١٠٦٧- وكذلك إنفاذ قدر القوت؛ فإنه نعمة، وفي "الصحيحين": أن رسول الله ﷺ قال: "اللهم! اجعل رزق آل محمد قوتًا". ومتى كثر، تشتت الهم. فالعاقل من علم أن الدنيا لم تخلق للتنعيم، فقنع بدفع الوقت على كل حال.
٢٣٣- فصل: التعلل بالأقدار
١٠٦٨- رأيت جماعة من الخلق يتعللون بالأقدار، فيقول قائلهم: إن وفقت، فعلت!
وهذا تعلل بارد١، ودفع للأمر بالراح٢، وهو يشير إلى رد أقوال الأنبياء والشرائع جميعها؛ فإنه لو قال كافر للرسول: إن وفقني، أسلمت! لم يجبه إلا بضرب العنق.
وهذا من جنس قول الناس٣ لعلي ﵁: ندعوك إلى كتاب الله. فقال: كلمة حق أريد بها باطل، وكذلك قول الممتنعين عن الصدقة: ﴿أَنُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ﴾ "يس: ٤٧"!
١٠٦٩- ولعمري إن التوفيق أصل الفعل، ولكن التوفيق أمر خفي، والخطاب بالفعل أمر جلي، فلا ينبغي أن يتشاغل عن الجلي بذكر الخفي.

١ بارد: سخيف.
٢ أي: باليد، وهو الدفع الضعيف.
٣ قال ﵁ ذلك للخوارج الذين عارضوه في التحكيم يوم صفين.

1 / 329