إلا أن هماما تخطاه بادئ الأمر لسببين؛ أحدهما أن أمينا كان يومئذ يعمل بقرية بينها وبين القاهرة مسيرة ساعات على جميع وسائل المواصلات: على القدم وعلى المطية وعلى السفينة وعلى القطار أو السيارة.
وثانيهما - وأخطرهما - سهوات الذكاء التي اشتهر بها أمين، ويا لها من سهوات! فهي كعيب ذلك الزنجي الذي يكذب في السنة أكذوبة واحدة ... وفي هذه الأكذوبة الواحدة قاصمة الظهور.
فيجوز أن يكون إخلاصه هو كل المطلوب في هذه المواقف، ويجوز أيضا أن يكون هو المحذور، وهمام وحظه ونصيبه بين الجوازين! وإليك المثال:
كان السيد أمين في إحدى إجازاته القصيرة ينزل بمنزل همام، ودق التليفون عصاري يوم في مسألة عاجلة، فخف همام إلى الخارج وأوصى أمينا أن ينتظره ريثما يعود بعد نصف ساعة، وأن يستقبل ضيوفا قادمين في هذه الآونة ويعتذر إليهم بعذر همام المفاجئ، ويبلغهم أنه سيرجع بعد هنيهة ليقضي معهم الأصيل حسب الموعد، وقد عاد همام بعد نصف الساعة المقدور فلا أمينا ولا ضيوفا وجد في المنزل! وكل ما وجده بطاقات الضيوف في عقب الباب عليها كلمات تشف عن الأسف والاستغراب.
ولبث همام يقدر في ذهنه ما توهمه الضيوف من أسباب مغيبه المتعمد ولا مراء، فإنه لا يخرج في هذه الساعة، وليس للضيوف إلا أن يعتقدوا كل الاعتقاد أنه راغ عن الموعد أو أخفى نفسه وتركهم يرجعون على أعقابهم مسافة ليست بالهينة ولا بالقصيرة.
وبينما همام يستغرب خروج أمين ولا يدري ماذا أخرجه خاصة في هذا اليوم الذي سئل فيه الانتظار، أقبل السيد أمين يحمل في يديه قازوزتين وقليلا من الفاكهة والحلوى وهو راض عن نفسه رضى الرجل الضليع بمهام الأمور.
قال أمين وهو يخفي اعتزازه واغتباطه بحسن تدبيره وعرفانه بالواجبات التي ينساها الغافلون: إنك يا صاح قد نسيت أن الثلاجة خالية وأن الضيوف قادمون، وقد ذهبت أحضر لهم بعض الشيء فعسى أن يستطيبوه!
فضحك همام غيظا وعجبا من اهتداء صديقه إلى العمل الوحيد الذي لا ينبغي أن يعمل، واعتقاده مع ذلك أنه هو الواجب الذي ينبغي دون سواه، وربت على كتف الصديق قائلا: أحسنت أحسنت يا مولانا، وما عليك الآن إلا أن تعدو بالقازوزة والفاكهة في أثر الضيوف، فلا شك أنهم منتظروها في الطريق! وأراه البطاقات وما هو مكتوب عليها، فما زاد على أن فغر فاه ونطق بحكمته المأثورة كلما أدرك خطأه: «مدهش! حضروا وعادوا؟ ليس لهم حق! ... ما كان يصح أن ينتظروا؟»
نعم، كان يصح أن ينتظروا، أما هو فلا يصح أن ينتظرهم في البيت.
وكان أمين وبعض صحابه يجلسون إلى منتدى على مقربة من مكتب «جماعة المؤاساة» وكلهم من شراة نصيبها المكثرين، فارتفعت الجلبة والصياح من جانب المكتب ونهض أمين يستطلع الخبر، وعاد بعد دقائق فجلس وعلى سيماه قلة الاكتراث وهو يقول: إنما هي النمر الأربع الكبيرة!
صفحه نامشخص