ساق بر ساق
الساق على الساق في ما هو الفارياق
رأى صاحب المعبر أطال الله بقاه. وعظم مقامه بين الهاجلين وأعلاه. أنه أراد يومًا أن يكتب خطبة يتلوها على القوم في يوم عيد. فأخذ القلم والقرطاس وكتب حرفًا واحدًا وإذا بامرأة تدعوه من حجرتها ليجوربها. فترك الكتابة وحفد إليها. فلما حوربها ورجع رأى أن قد ضُمّ إلى ذلك الحرف حرف آخر بحبر غير حبره. فقال في نفسه ترى من دخل حجرتي وخط هذا الحرف الذي ناسب ما أردت من المعنى. ثم أخذ القلم وكتب حرفًا وإذا بامرأته تدعوه ليربط لها شراك نعلها. فقام إليها وفعل ما أمرته به ورجع فوجد حرفًا آخر قد أضيف إلى الثلاثة الأولى حتى تمت به الكلمة فزاد تعجبه من ذلك. ثم أخذ القلم وكتب كلمة تامة وإذا بامرأته تدعوه أيضًا ليمشطها الكُعْكُبة أو والله أعلم المقدّمة. فقام ومشطها برفق ولين ثم رجع كلمة تامى أضيفت إلى كلمته متلائمة بها. فأخذ القلم وكتب كلمتين فدعته امرأته ليجمرها. فترك الكتاب وقام ولما رجع وجد كلمتين ناميتين. فلما تكامل له سطر دعته أمرته ليعقد لها عظامتها. ثم رجع فوجد سطرًا بجملته. حتى إذا تكامل له صفحة دعته امرأته أيضًا ثم رجع فوجد صفحة كاملة. وعند انتهاء الكراس وجد كراسًا وقس على ذلك إلى أن كمل الكتاب. وكانت امرأته قد فرغت من تفلخها وزينتها. فحمل الكتاب إليها وأخبرها بما جرى له ففرحت بذلك فرحًا لا يوصف. وقالت له إنما حصل هذا ببركة خدمتك لي ومساعدتك إياي على إلباسي. فينبغي يا عزيزي أن تواضب عليها. فلما كان في الغد فعل ما فعله أمس من الكتابة والخدمة ووقع له فيهما عين ما وقع أولًا. فزاد سرور كل منهما به. فلما حان العيد صعد إلى المنبر وتلا الكتاب الأول فأدهش السامعين ببلاغته وانسجام عبارته ودقة معانيه، حتى إذا فرغ أخذ الناس يطرون عليه ويقولون له ما طرق مسامعنا كلام أبلغ من كلامك قط. فقال لهم هذا بيُمن الشراك فلم يفهموا ثم رجع إلى بيته مبتهجًا متهللًا وأخبر زوجته بما جرى. فقال له أن نصحني لك يا عزيزي أن تهجد في الخدمة والكتابة فإذا تكامل لك خمسون كتابًا نقصد بها بعض البلدان البعيدة فتتلوها هناك. لأنه لا يمكن لك في هذا البلدان أن تتلو خطبة إلا في يوم عيد والأعياد هنا غير كثيرة. ويكون من الخسران أن تبقي هذه الكتب الجليلة غير متلوّة. فقال لها الرأي ما رأيت. ثم أنهما للسفر إلى بعض البلاد المشرقية. ومعهما تلك الكتب قد ضمنت صناديق من خشب الساج نفسية وأنفقا عليها مبلغًا جزيلًا. فلما بلغا طيتهما اكتريا لهما دارًا رحيبة مطلة على الحدائق الناضرة. وأرسل مناديًا ينادي في الأسواق أن أحضروا يا قوم خطبة المولى ذاهول بن غافول في يوم كذا وساعة كذا. ليسمعكم من المعاني البديعة ما لم يطرق مسامعكم قط. فحشدت إليه الناس أفواجًا أفواجا ولما استقروا في المجلس صعد سلما كان قد نصب له فيه. وفتح ذلك الكتاب الأول الذي كان أعجب به قومه وإذا به ممحو لم يشترك إلا على الحروف التي كتبها بيده. فحاول أن يصل بعضها ببعض ليستخرج منها معنى ما فلم يمكن له. فنزل عن المنبر خجلًا وهكذا انتبه من نومه.
التعبير
هذا ما يعبره الفقير الفارياق للمولى ذاهول بن غافول. أن ما توهمته من ضم الحروف والكلمات والسطور والصفحات والكراريس والأسفار إلى كلامك الذي أعجب به قومك لم يصلح في غير بلادك لارتباطه بربط العظامة والشراك. والله أعلم فلما بلغت هذه العبارة للمشار إليه أقبل إلى الفارياق وهو يخبط الأرض برجله ويشمخ بأنفه قائلًا. هذا التعبير أفسد من التعبير الأول.
وهذه العبارة أخصر من تلك فلا يكاد أحد يفهم ما نقول. وإذا تعبير الأحلام غامضًا مبهمًا كالأحلام فلا موجب معبرين وتكليف الناس قراءة ما لا يفهم. فقال له الفارياق هكذا جرت العادة في بلادنا التي هي معدن الأحلام ومنبت التعبير. فإن رؤوسكم لم تكتسب هذه الخاصية إلا من رؤوسنا. ولولا حلمًا واحدًا. قال فكأن الرجل أنتبه من غفلته وسكن من ثورته. ثم قال قد بقي عليك الآن حلم واحد فهاكه.
الحلم الثالث
1 / 173