92

ساعات بین کتاب‌ها

ساعات بين الكتب

ژانرها

قيل: إن بسمارك ندم على سياسته القاسية التي جنى بها على الأمم القتل والأسر، وغامر فيها بهناءة الجموع والآحاد، وقد كتب في سنة 1856 يقول: لتكن مشيئة الله. كل شيء هنا في هذه الأرض إنما هو مسألة وقت وأوان، فالأمم والأخلاق، والحماقة والحكمة، والسلم والحرب، تذهب وتجيء كالأمواج والبحر باق حيث كان، ولا شيء على الأرض إلا الرياء والتدجيل وسواء ذهب عنا هذا الحجاب من اللحم والدم بإصابة من الحمى، أو بقذيفة من الرصاص، فإنه لذاهب في القريب العاجل أو بعد حين، ويومئذ يتشابه البروسي والنمسوي، فيعود من أصعب الصعب تمييز هذا من ذاك.

وبعد عشرين سنة كان بسمارك يصطلي في قصره بفارزين وأمامه تمثال النصر يفرق التيجان، فأطال السكوت وهو ينظر أمامه، ويلقي في النار بعيدان الحطب من حين إلى حين ثم أخذ فجأة يذكر جهوده السياسية، ويشكو من أنها تركته بغير عزاء ولم تمتعه بالرضا عن نفسه ولا بالصداقة من الآخرين، ولم يجلب بها السعادة لأحد قط ... «فلا هو سعد بها ولا سعد بها أهله، ولا سعد بها أي إنسان» قال بعض الحاضرين: ولكنك جلبت بها سعادة أمة عظيمة. قال بسمارك: «نعم! ولكن شقاوة كم من الأمم؟ فلولاي لما وقعت حروب ثلاث من أهول الحرب، ولولاي لما هلك ثمانون ألف إنسان، واشتمل الحزن الأليم على الآباء والأمهات والإخوان والأخوات والأيامى. لقد سويت حساب ذلك كله مع خالقي، ولكنني لم أنل سرورا قط، من جميع تلك الجهود.»

هذه فلسفة قطب من أقطاب السياسة العملية، الذين يريدهم ماكيافيلي لإنقاذ الشعوب، ولكن في أي ساعة؟ في ساعة الخلو والعزلة والإخلاد إلى الدعة والتأمل، ولو عاود الرجل مكانه وانغمس في لجة العمل مرة أخرى، وأسلم أذنيه وعينيه لضوضائه ولألائه لنسي هذه الفلسفة أو لما منعه ادكارها من تكرير تلك الحروب، وإلقاء الألوف من الناس في غمرة الأحزان والآلام، فإن كان لكلام بسمارك في عزلته دلالة فتلك الدلالة المحزنة التي لا مفر منها لباحث في شئون الناس، وتلك هي أن السعادة في الدنيا حرام على القادرين والعاجزين، وألا رضا عن النفس لناجح ولا لمخفق في هذه الحياة.

مضت أربعمائة سنة على وفاة ماكيافيلي فاحتفى بذكراه الإيطاليون وتحدث الناس بفلسفة ذلك الماكر السليم، ولقد طوت هذه المئات الأربع كثيرا من أضراب قيصر بورجيا وبسمارك في القسوة والخديعة، وأخذ الشعوب بالحيلة والنفاق، أو بالقمع والإرهاب، ولكننا على يقين أن ليس الأستاذ نيقولا مسئولا عن فاجعة من فواجعهم المشئومة، وأن كتاب «الأمير» لم تسفك فيه قطرة ولا مزق من جرائه شلو غير قطرات المداد وأشلاء الأوراق! وقد احتفل العالم بذكرى «رجل طيب» حين احتفل بذكرى نبي القسوة والدهاء، ومعلم القادة والسواس فنون البطش والطغيان - فهل ترانا نحسن إلى رفات الرجل في قبره أم نسيء إليه بهذا الثناء الذي كان يخجل منه في حياته، لا ندري ولكننا ندري أنه حقيق بذلك الثناء، وأنه كان «رجلا طيبا» على كل حال.

فلسفة الملابس (2)1

ما من إنسان إلا يضع شيئا من نفسه في ملابسه، فإن كان ممن يعنون بها ففي تلك العناية دليل على ذوقه، وخلقه، وتفكيره، وفي بزته الظاهرة عنوان لما يخفي عنك من نفسه وقلبه، وإن كان ممن يهملونها، فأنت تعرف من قلة عنايته شيئا يطلعك على أسبابها الدخيلة، ويكشف لك عن شواغل فكره، وهموم فؤاده، فكأنما تنطق ملابسه في صمت وبداهة بما ليس تنطق به الملابس التي يطول فيها التحضير والانتقاء، ويكثر فيها التدبير والاحتفاء، وربما كان سر انصرافه عن تجميل نفسه أنه مشغول بالجمال في كل ما عداه من الأناسي والأشياء، وربما كان جميل النفس، ولكنه غير بصير بصناعة التزيين والتحسين، إذ البون بعيد بين أن يكون المرء جميلا في الخلق والخليقة، وأن يكون هو مخترعا للجمال.

ويقول خائط مشهور في لندن: «إن أكثر من يتعبني من الناس في تفصيل ملابسهم أولئك الذين لا يبدو عليهم أنهم يحفلون بما يلبسون» وهذه ملاحظة يعرفها كل خائط، ويؤخذ منها أن الذين يهملون ملابسهم أقل عددا ممن تدل عليه الظواهر، وأنهم قد يضطرون إلى ذلك الإهمال مكرهين، فلا تسعفهم الملابس في الترجمة عن رغباتهم الخفية وأذواقهم المنوعة على أن هذه الحقيقة لا تلبث أن تظهر لك من شارة صغيرة، أو هيئة منزوية، فينقلب العي في ترجمة الملابس إفصاحا، والخفاء ظهورا وإيضاحا، وتسمع من جلباب هذا الذي «لا يبدو عليه أنه يحفل بما يلبس» كلاما يقوله ككل كلام تقوله الملابس الثرثارة والأزياء البليغة، فأنت إذا استعرضت مائة بذلة «خالية» في مخزن المخلوعات فقد استعرضت مائة نفس، وعرفت من تلك الأشباح الميتة أرواحها التي كانت تعمرها بكل ما فيها من فضل وغرور، ورصانة وطيش، وقبح وجمال، وجد وهزل، ولاح لك كأنك في حضرة حاشدة حية وكأن تلك الأرواح التي فارقت هذه الأشباح اللبيسة قد تركت عليها نضحا من حياتها، وأثارة من سرائرها، فمنها ما ينعت بالعقل والكياسة، وما ينعت بالخرق والبلاهة، ومنها ما يحيي تحية الإكبار وما يعرض عنه إعراض الزراية، ومنها ما يدخل الجنة التي وعد المتقون، وما يذهب إلى النار التي يصلاها الكافرون! فهي أشباح وأطياف وأجسام وأفكار، وليست بالخيوط البالية والنسيج الرديد!

إنك إذا حادثت إنسانا في الفن الجميل فإنما تحادثه في الأشكال والألوان، وإذا حادثته في شئون الاجتماع، فإنما تحادثه في النظام والشريعة، وإذا حادثته في الأدب والتاريخ فإنما تحادثه في الشعور والخبرة، وإذا حادثته في الدين والفلسفة فإنما تحادثه في آماله البعيدة وأشواق النفوس الرفيعة، ولكنك إذا درست كساء يعنى ذلك الإنسان باختياره وتنسيقه، فقد درست في حين واحد جماع رأيه في الأشكال والألوان، والنظام والشريعة، والشعور والخبرة، والآمال والأشواق، وكنت كأنما قد عاشرته دهرا تسمع له في الفنون والاجتماع، والآداب والتواريخ، والدين والفلسفة، وكأنما قد لخصت معارفه التي يشعر بها، والتي لا يشعر بها في صفحة من القطن، أو من الصوف، أو من الحرير، بل كأنما قد عرفت منه ما يريد هو أن يعرفك إياه وما لا يريد، فالذي قال: إن عشير المرء دليله قد أصاب وأجاد، ولكن أصوب منه وأجود من يرجع إلى العشير الذي يلابس ويلامس، ويطابق الأعضاء والأفكار، ويأخذ من أذواق صاحبه وأهوائه ما ليس يأخذه العشير من العشير، ولئن كان جمادا لا حياة له، ليكونن ذلك أبلغ في الدلالة على صاحبه؛ لأنه يستعير إذن من حياته، ولا يستقل بوصف عنه، خلافا للصديق الحي الذي يشابه صديقه ما يشابه، ثم يحور إلى طبع لا سلطان عليه للأصدقاء.

وإذا جلست على مجاز الناس لم يكن شيء - بعد تصفح الوجوه - أمتع لك وأدل عليهم من تنوع الثياب والبزات، وتقيد المتقيدين بالأزياء، وتصرف المتصرفين في تلك الأزياء، فمن هذا الذي يلقاك بلون في كل ملبوس إلى ذاك الذي يتحرى الوحدة في جميع الألوان درجات كثيرة بعضها إلى العلو، وبعضها إلى النزول، ولكنهما طرفان متقاربان في هذا الجيش المديد الذي نستعرضه على قارعة الطريق، فكلاهما يطلب الجمال وكلاهما بين الكلفة والادعاء، ويجتمع في اثنيهما صنفا الغرور اللذان يتعاوران الناس ويظهر من أثرهما ما يظهر على النفوس والأذهان، والأقوال والأفعال: صنف الغرور الواثق بنفسه الجاهل بكل قدره، وصنف الغرور الذي يتوارى عن النظرة الأولى، ولا يريد أن يحشره الناس في زمرة المغرورين، فأما الأول فمتظاهر يحب أن يظهر بكل ما يروقه، ويجهل أن كثرة الألوان ليست من كثرة الجمال، وأما الثاني فمتظاهر يحب أن يظهر على غير هذه الصفة، ويجهل أن الذوق إنما يعرف بالتآلف بين الألوان المتعددة، ولا يعرف بالوحدة في اللون، والتقارب في الصبغة، فكل عين تعرف أن هذا اللون يشبه ذاك، ولكن ليست كل عين بقادرة على أن تجمع بين الألوان الكثيرة في تناسب مقبول، وبين هذين الطرفين طرف الغرور البسيط، والغرور المرطب تتمشى أخلاط شتى من الصنفين، وتتمثل للناظر ضروب شتى من الادعاء والتكلف، وحب الاستقلال وحب الطاعة والإرضاء.

وقلما اختلفت الأمم قديما في شيء اختلافها في الثياب والأزياء، فإنه ما من شيء تختلف به أمة إلا وله أثره في لباس أبنائها، وأسلوب تفصيلهم لذلك اللباس، فتباين الزي ينطوي فيه تباين الإقليم والصناعة، والمعيشة والعادة، والحكم والدين والتفكير، وما من خطوة يخطوها الثوب من لدن يكون زرعا في الأرض، أو شعرا على جلد حيوان، إلى أن يصبح لباسا للعظيم والحقير والكبير والصغير، إلا ويتراءى فيها علم الأمة وقدرتها وذوقها وخبرتها، ودستور حكمها ونظام المعيشة فيها، وقد كتب أناس من الأوربيين في فلسفة اللباس، وكتب آخرون في فلسفة العمائر وجرت بينهما العصبية لما يكتبون فيه، كما تجري العصبية بين من يدرسون النحل ومن يدرسون النمل من علماء الحشرات! ففريق اللباسيين يقول: إن الثياب أبين عن العقول والآداب، وفريق البنائين يقول: بل العمائر ألصق بالنفوس، وأنم عن حضارات الأمم، وطبائع الأفراد، والسيد كرستيان باردي صاحب كتاب مستقبل العمارة يقول: «إن نطاق الباحث في فلسفة الثياب علي سعته لا يذكر إلى جانب النطاق الذي ينفرج أمام الباحث في تاريخ العمائر، وتنوع الأساليب البنائية، إذ إن أساس الهيئة الثيابية إنما ينجم عن هيئة الجسم الإنساني التي لا تتغير، في حين أن أساس الهيئة البنائية يقوم على النظام الاجتماعي، وما يعتور ذلك النظام من تبديل متجدد، واختلاف ليس له من نهاية» والسيد جيرالد هيرد صاحب كتاب «تحليل الثياب» يرينا من اختلاف «نظريات» اللبس بين الأمم ما تقل في جانبه نظريات البناء القديم والحديث، ويصل بين التاريخ وفلسفة «ما وراء الطبيعة»، ولسنا نحن من هذه العصبية ولا من تلك ولا ثأر لنا عند الحجارة ولا عند الخيوط، ولكننا نقول - ونتوخى الإنصاف فيما نقول - إن تغير الثياب أكثر وأعجب من تغير البيوت، وإن ذخيرة الإنسانية من أزياء الحلي والحلل تربى على ذخيرتها من أساليب العمارة في كل جيل، وإن ما يضعه الناس من أنفسهم في كسائهم أظهر وأجلى مما يضعونه في مساكنهم وأثاثهم، ولو كان الجسم الإنساني يتغير كل يوم لما كانت ذخيرته من السرابيل أكثر عددا ولا أعجب تنوعا من هذه الذخيرة التي افتن في تفصيلها وتجميلها هذا الجسم المتشابه المحدود.

صفحه نامشخص