1
أشاد البستاني بذكر خليل الخوري، ودل على فضله الأسبق في حقلي الصحافة والشعر، وترجى له خلود الذكر كفاتح أدبي، ولكن الخليل خلد في شعره لا في نثر جريدته، وقد كان في استطاعته ذلك؛ لأنه لم يكن في الشرق يومئذ إلا الصحف الحكومية، ولكن سياسة إرضاء الدولة العلية كانت أقصى أمانيه، فرتع في النعم الشاهانية، وتقلب في مناصب عديدة محترمة، ونال أوسمة كثيرة من الأستانة، وغيرها من العواصم.
لم يبرز خليل في النثر لأنه لم ينصرف إليه، فهو شاعر أولا، بل لا يعنيه إلا الشعر الذي كان سلمه إلى المناصب. ومن عثر على دواوينه العديدة النادرة الوجود وأجال فيها نظره رأى في: زهر الربى في شعر الصبا، والعصر الجديد، والنشائد الفؤادية، والسمير الأمين، والشاديات، والنفحات؛ مدحا كثيرا لرجال الدولة وغيرهم.
أما ما يعنينا نحن - اليوم - فهو التجديد الذي أشار إليه المعلم الأكبر بطرس البستاني، والذي قال ناصيف اليازجي في مدح قائله:
يا هلالا قد أرانا
في الدجى وجها جميلا
سوف نلقى منك بدرا
كاملا يدعي «خليلا»
وعندما بزغ فجر القرن العشرين كنا لم نزل على مقاعد المدرسة، نسمع الجديد ولا نراه إلا في شعر اثنين: خليل الخوري، وفرنسيس مراش. فالمراش، وهو المقتفي آثار خليل الخوري في ديوانه «العصر الجديد»، سوف نصف آثاره البديعة على ما فيها من ضعف لغوي، أما خليل الخوري فهو أسبق وأطرف وأمتن عبارة، وألطف أسلوبا. إنه - بلا منازع - أول من أفرغ الشعر القديم في قالب جديد. أمده في ذلك خياله الخصب فخلق صورا رائعة، ثم ظل السراج الوهاج يرسل نوره حتى انطفأ عام 1907 في 26 تشرين الأول.
امتدح البستاني ديوان العصر الجديد، فماذا في هذا الديوان الذي أطريناه نعتا؟ كان يقال الشعر قبله إما حكمة، وإما زهدا، وأكثره كان مديحا ورثاء، فلم يترك خليل الخوري المديح، ولكنه فعل ما لم يفعله غيره من قبل، فقال القصائد الطريفة في مواضيع مستقلة، وإذا لم يبلغ فيها شأو الشعراء العظام فصاحة وبلاغة، فحسبه أنه كان رائد الجديد الأول في إبداعه.
صفحه نامشخص