1170

روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني

روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني

ویرایشگر

علي عبد الباري عطية

ناشر

دار الكتب العلمية

ویراست

الأولى

سال انتشار

١٤١٥ هـ

محل انتشار

بيروت

إبراهيم ﵇ إلى منزله ثم عمت بعد كرامته خلق الله تعالى من كل وارد ورد عليه. فقيل له في ذلك فقال:
تعلمت الكرم من ربي رأيته لا يضيع أعداءه فلا أضيعهم أنا فأوحى الله تعالى إليه أنت خليلي حقا،
وأخرج البيهقي في الشعب عن ابن عمر قال: «قال رسول الله ﷺ: يا جبريل لم اتخذ الله تعالى إبراهيم خليلا؟ قال: لإطعامه الطعام يا محمد»،
وقيل- واختاره البلخي والفراء- لإظهاره الفقر والحاجة إلى الله تعالى وانقطاعه إليه وعدم الالتفات إلى من سواه كما يدل على ذلك
قوله لجبريل ﵇ حين قال له يوم ألقي في النار: ألك حاجة؟ أما إليك فلا، ثم قال:
حسبي الله تعالى ونعم الوكيل،
وقيل: في وجه تسميته ﵇ خليل الله غير ذلك، والمشهور أن الخليل دون الحبيب.
وأيد بما
أخرجه الترمذي وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: «جلس ناس من أصحاب النبي ﷺ ينتظرونه فخرج حتى إذا دنا منهم سمعهم يتذاكرون فسمع حديثهم وإذا بعضهم يقول: إن الله تعالى اتخذ من خلقه خليلا فإبراهيم خليله وقال آخر: ماذا بأعجب من أن كلم الله تعالى موسى تكليما، وقال آخر: فعيسى روح الله تعالى وكلمته وقال آخر: آدم اصطفاه الله تعالى فخرج عليهم فسلم فقال: قد سمعت كلامكم وعجبكم أن إبراهيم خليل الله تعالى وهو كذلك. وموسى كليمه وعيسى روحه وكلمته وآدم اصطفاه الله تعالى وهو كذلك ألا وإني حبيب الله تعالى ولا فخر، وأنا أول شافع ومشفع ولا فخر، وأنا أول من يحرك حلق الجنة فيفتحها الله تعالى فيدخلنيها ومعي فقراء المؤمنين ولا فخر، وأنا أكرم الأولين والآخرين يوم القيامة ولا فخر»،
وأخرج الترمذي في نوادر الأصول والبيهقي في الشعب وضعفه وابن عساكر والديلمي قال: «قال رسول الله ﷺ: اتخذ الله تعالى إبراهيم خليلا وموسى نجيا واتخذني حبيبا، ثم قال وعزتي لأوثرون حبيبي على خليلي ونجيي»،
والظاهر من كلام المحققين أن الخلة مرتبة من مراتب المحبة، وأن المحبة أوسع دائرة، وأن من مراتبها ما لا تبلغه أمنية الخليل ﵇، وهي المرتبة الثابتة له ﷺ، وأنه قد حصل لنبينا ﵊ من مقام الخلة ما لم يحصل لأبيه إبراهيم ﵇، وفي الفرع ما في الأصل وزيادة، ويرشدك إلى ذلك أن التخلق بأخلاق الله تعالى الذي هو من آثار الخلة عند أهل الاختصاص أظهر وأتم في نبينا ﷺ منه في إبراهيم ﵇، فقد صح أن خلقه القرآن،
وجاء عنه ﷺ أنه قال: «بعثت لأتمم مكارم الأخلاق»
وشهد الله تعالى له بقوله: وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ [القلم: ٤] ومنشأ إكرام الضيف الرحمة وعرشها المحيط رسول الله ﷺ كما يؤذن بذلك قوله تعالى: وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ [الأنبياء:
١٠٧] ولهذا كان الخاتم ﵊.
وقد روى الحاكم وصححه عن جندب «أنه سمع النبي ﷺ يقول قبل أن يتوفى: إن الله تعالى اتخذني خليلا كما اتخذ إبراهيم خليلا،
والتشبيه على حدّ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ كَما كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ [البقرة: ١٨٣] في رأي، وقيل: إن يتوفى لا دلالة فيه على أن مقام الخلة بعد مقام المحبة كما لا يخفى.
وفي لفظ الحب والخلة ما يكفي العارف في ظهور الفرق بينهما، ويرشده إلى معرفة أن أي الدائرتين أوسع، وذهب غير واحد من الفضلاء إلى أن الآية من باب الاستعارة التمثيلية لتنزهه تعالى عن صاحب وخليل، والمراد اصطفاه وخصصه بكرامة تشبه كرامة الخليل عند خليله، وأما في الخليل وحده فاستعارة تصريحية على ما نص عليه الشهاب إلا أنه صار بعد علما على إبراهيم ﵊.
وادعى بعضهم أنه لا مانع من وصف إبراهيم ﵊ بالخليل حقيقة على معنى الصادق، أو من أصفى المودة وأصحها أو نحو ذلك، وعدم إطلاق الخليل على غيره ﵊ مع أن مقام الخلة بالمعنى

3 / 149