رساله قشیریه
الرسالة القشيرية
ویرایشگر
الإمام الدكتور عبد الحليم محمود، الدكتور محمود بن الشريف
ناشر
دار المعارف
محل انتشار
القاهرة
مسارة الأصم وواضع النعمة عِنْدَ من لا يشكر والباذر فِي السبخة والمسرج فِي الشَّمْس وقيل: لما بشر إدريس ﵇ بالمغفرة سأل الحياة فقيل لَهُ فِيهِ فَقَالَ: لأشكره فإني كنت أعمل قبله للمغفرة فبسط الْمَلِك جناحه وحمله إِلَى السماء.
وقيل: مر بَعْض الأنبياء ﵈ بحجر صَغِير يخرج منه الماء الكثير فتعجب منه فأنطقه اللَّه تَعَالَى مَعَهُ فَقَالَ: مذ سمعت اللَّه تَعَالَى يَقُول: ﴿نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ [التحريم: ٦] أنا أبكى من خوفه قَالَ فدعا ذَلِكَ النَّبِي أَن يجير اللَّه ذَلِكَ الحجر فأوحى اللَّه تَعَالَى إِلَيْهِ: إني أجرته من النار فمر ذَلِكَ النَّبِي فلما عاد وجد الماء يتفجر منه مثل ذَلِكَ فعجب فأنطق اللَّه تَعَالَى ذَلِكَ الحجر مَعَهُ فَقَالَ: لَمْ تبكى وَقَدْ غفر اللَّه تَعَالَى لَك فَقَالَ: ذَلِكَ كَانَ بكاء الحزن والخوف وَهَذَا بكاء الشكر والسرور.
وقيل: الشاكر مَعَ المزيد لأنه فِي شهود النعمة قَالَ اللَّه ﷿: ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ﴾ [إبراهيم: ٧] والصابر مَعَ اللَّه تَعَالَى لأنه بشهود المبتلى قَالَ اللَّه ﷿: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [البقرة: ١٥٣] وقيل: قدم وفد على عمر بْن عَبْد الْعَزِيز وَكَانَ فيهم شاب فأخذ يخطب فَقَالَ عُمَر: الكبر الكبر فَقَالَ الشاب: يا أمير الْمُؤْمِنيِنَ لو كَانَ الأمر بالسن لكان فِي الْمُسْلِمِينَ من هُوَ أسن منك فَقَالَ: تكلم فَقَالَ: لسنا وفد الرغبة ولا وفد الرهبة.
أما الرغبة فَقَدْ أوصلها إلينا فضلك.
وَأَمَّا الرهبة فَقَدْ أمننا منها عدلك فَقَالَ: فمن أنتم؟ فَقَالَ: وفد الشكر جئناك نشكرك وننصرف، وأنشدوا:
ومن الرزية أَن شكري صامت ... عما فعلت وأن برك ناطق
ورأى الصنيعة منك ثُمَّ أسرها ... إني إذن ليد الكريم لسارق
وقيل: أوحى اللَّه تَعَالَى إِلَى مُوسَى ﵇: ارحم عبادي المبتلى والمعافى فَقَالَ: مَا بال المعافى فَقَالَ: لقلة شكرهم عَلَى عافيتي إياهم.
1 / 315